“أعطني استعارة كي أموت مطمئنًا يا فتى.”
ساعي بريد نيرودا – سكارميتا
أراه في كل مكان، من الأيام الأولى في تويتر، واللقاءات المتنوعة، وحتى في الجرائد، ودائمًا دائمًا يجد طريقه للتقاطع معي بشكل عشوائي تمامًا. يبدو مألوفًا كصديق غيّبته الأيام، ولكن لا أعرف اسمه، ولم أتمكّن من الحديث معه. جلست قبل أسابيع مع الرجل النبيل أبو يوسف، معلّم الحياة/الأحياء في الثانوي، وفي منتصف الجلسة أخبرني عن زميل له سينضم إلينا. مرّ ذلك الرجل على خاطري، وقلت أي مصادفة مجنونة تأتي به إلى هنا، وكما يمكنك التخمين كان هو شخصيًا، أخبرته عن كل التقاطعات السابقة، والأشخاص المشتركين، وقلت له إن أغلب لقاءاتنا في أماكن تكثر فيها الأفكار المستفزة عن مدربي الحياة على سبيل المثال، ليرد بفكرة يراها بديهية أن الحياة جادة بما فيها الكفاية، ومن المفترض أن نكسر الروتين أحيانًا لنستمتع ونعيش التفاهة من وقت إلى آخر. مدفوعًا بهذه الفكرة قررت الانضمام إلى مجموعة قرائية تجتمع صباح الجمعة.
قبل اللقاء الثالث قررت أن الكتاب الذي سأتحدث عنه هو عودة البحار لجورجي أمادو، وغالبًا النقاش سيدور في فلك الازدواجية، الحقيقة المؤلمة، والكذبة الحلوة، لأنه من يمكنه مقارعة القبطان فاسكو في ذلك، ويمكن سحب هذه الأفكار على كل شيء في الحياة من العائلة إلى العمل إلى التصالح مع الذات. في الصباح وأنا أبحث عن الكتاب، لأنني انتقلت مؤخرًا، وما تزال الكتب موزعة على الكراتين من خمسة أشهر، ولا أعرف متى سأعيد ترتيبها. في عملية البحث وجدت أمامي كتاب عبقرية اللغة، وأفكار الكتاب حاضرة من القراءة السابقة، والملاحظات الموزعة على الكتاب، والمراجعة التي كتبتها في مكان ما. انضممت إلى المجموعة، وبعد مراجعة النقاط التي سجلتها، أصبحت مستعدًا بانتظار دوري للمشاركة، ولكن ذهب الوقت واستطال في الحديث عن أفكار مثل اكتشاف الذات، والعقل اللاواعي، وكتاب أحببت وغدًا، وملك من العصور الوسطى سافر عبر الزمن وتجسّد في طفل، ويؤكد صاحبها على وجود 12 جزء، وحاليًا يقرأ الكتاب الأخير، ولكن لا يمكنه مشاركتنا أي تفاصيل إضافية لأنه لم يُكمل الكتاب الأخير، ورواية لأغاثا كريستي وآخر بكل شفافية وثقة يقول إنه أخذ المراجعة من شات جيبيتي لأنه لا يزال في بدايات الفصل الأول… إلخ، ولم أتمكن من المشاركة، والآن ماذا أفعل بهذه الأفكار؟
لا أحب تلخيص الكتب بشكل مباشر، ولا الحديث عن مكان ميلاد المؤلف، وشجرة عائلته، وحتى أكون صادقًا معكم المجموعة القرائية ليست تافهة بل تعيد اتصالي بالكتب التي قرأتها قديمًا، لذلك أحب التلخيص بطريقة مختلفة، وهي استحضار مواقف متنوعة من الحياة تتقاطع مع الأفكار التي يطرحها الكتاب. عبقرية اللغة عبارة عن مجموعة من المقالات لروائيين يتحدثون عن تناوب اللغة الأم مع اللغة الإنجليزية، ويكشفون لك كيف أن اللغة تلقي بظلالها ليست على الأفكار فقط بل على العالم كله. اللغة ليست أداة للتواصل فقط، ولكنها عدسة تظهر لنا كل الأشياء بشكل مغاير، بل ويمكننا رؤية عدسات الآخرين، وتصنيفهم بناء عليها.
أعمل في برج يتطلب الانتظار عدة دقائق أمام المصاعد قبل أن تتكرّم بالوصول، وأسمع مختلف اللغات واللهجات بشكل يومي، وقبل أيام صعد معي باكستانيين يعملون على الأغلب في تقنية المعلومات، كيف عرفت؟ الصلعة والنظارات والشعر الأبيض، يتحدثون بصوت مرتفع، شعرت بالإزعاج لعدم احترام المساحة الضيقة والمزدحمة داخل المصعد، وذلك اليوم لم يكن من الأيام التي أسمع فيها صوت جاسم الصحيح وهو يقول: “لا تأمني لأصابعي فأنا.. أدري بأن أصابعي حمقى”. في نهاية اليوم، وفي الطريق إلى الأرض، يتوقف المصعد ليحمل معه ثلاثة فرنسيين، ببدل رسمية، يتحدثون باللغة التي يُقال إنها لغة الرومانسية والأناقة، وفي منتصف حديثهم سمعت: “ستغاتيجيك.” ولا إراديًا ابتسمت لموسيقى الكلمة، وأنا أرغب في معرفة سر الضحكات بينهم. ما إن وصلت إلى السيارة حتى أدركت أنني وقعت في الفخ، الفخ الذي يريدنا العالم أن نصدقه، الصور النمطية لشعوب الأرض. لدينا لغة مستعمرة في مقابل لغة ما يسمى بلدان العالم الثالث، بدأت معي أسئلة من قبيل “ماذا لو” بلاد ما وراء السند هي التي تقاسمت العالم في محاولة للتحايل على تأنيب الضمير، وتجاوز زحمة الرياض. ليست سمعة البلدان فقط هي التي تتأثر باللغة، يمكن طرح سؤال “ماذا لو” مجددًا على لهجات المناطق، أتساءل ماذا لو كانت لهجة جازان تتطابق مع لهجة أهل الرياض، ما هي الصور النمطية التي يمكن أن تختفي تمامًا!
في أحد فصول الكتاب تتحدث كاتبة صينية عن اللَبس الذي يحدثه عدم وجود كلمات قاطعة مباشرة للرفض أو القبول في الصينية، مثل نعم ولا، وبالتالي تخشى بأن يصنّفوا كمحدودي النظر، ولطفاء أكثر من اللازم، وتعبّر عن امتعاضها من مقالة في النيويورك تايمز تقول: “إن الصيني يقدّم التنازلات، لأنه لا يغامر بالتعرض للحرج.”، ولكن تؤكد أن الرفض أو القبول يستتر غالبًا من خلال إعادة صيغة السؤال المطروح للدلالة على التأكيد أو النفي، مثلًا: هل قرأت هذه التدوينة كاملة؟ قرأت التدوينة كاملة/لم أقرأ التدوينة كاملة. يبدو لي هذا الاستتار وعدم المباشرة نمتلكها أيضًا في اللغة العربية، مع العلم أن لدينا عشرات الطرق للرفض ومئة ألف كتاب عن أهمية كلمة “لا” في حياتنا، آخرها رأيته موضوعًا على طاولة أحد الزملاء بعنوان: “لأ بطعم الفلامنكو”، مكتوب بالعامية، وأتصوّر يحثّك على الرفض وأنت ترقص!
اللغة الإنجليزية مباشرة جدًا وجامدة، وأدّعي أنها لا تمتلك سحر وإمكانات اللغات الشرقية، ولكن لا أحد يشكك في أهميتها لأنها تفتح لك أبواب التواصل مع العالم. في العمل على سبيل المثال أجد كتابة البريد بالإنجليزية أيسر من العربية، ليس لأن سرّي مقطوع في بيرمنغهام، ولكن لأنها مباشرة في إيصال المعلومة، وعلى النقيض تمامًا أتذكر صديقًا لا يستطيع التعبير عن مشاعره باللغة العربية، يحتمي بشكل ما باللغة الإنجليزية، من ماذا تحديدًا؟ لا أعرف. اللغة بإمكانها وضع رداء على صاحبها، ودائمًا تمر علي فكرة إخفاء الجهل بخفّة الدم المبالغ فيها أو الاستسخاف من الأفكار بالضحك عليها أو شيء من هذا القبيل، ولكن لا أتصوّر وجود قلعة يمكن الاحتماء بها مثل اللغة، وأتخيل يمكن ملاحظتها بسهولة في أماكن العمل تحديدًا فتّش عن الذين يلوون حرف الراء بشكل مبالغ فيه، وفيه تكلّف ظاهر، غالبًا، غالبًا هم أضعف الناس!
يمكن للغة أيضًا أن تكون حافظةً للأسرار، وجد جلال أمين بعض الأسطر في مذكرات أبيه بعد وفاته باللغة الإنجليزية يعبّر فيها عن خيبة أمله لأن زوجته ليست بالجمال الذي كان يرغب فيه، تزوّج ولم يرها من قبل. كُتبت بالإنجليزية لأنها إن وقعت يومًا بين يديها لن تستطيع فهمها، ويعبّر جلال أمين عن استيائه إذا لم تخني الذاكرة، ولكن أجد الأمر فيه مراعاة كبيرة بالاختباء خلف اللغة الأخرى بغض النظر عن البؤس الذي يشعر به الأب، ولا أستطيع تخيّل شعوره لو علم أن صورته الصارمة التي يحاول قدر الإمكان التمسك بها من خلال طريقة عيشه أو حتى مؤلفاته، والتي لا تُعنى بسفاسف الأمور، بل بنهضة الأمة الإسلامية، يهزها الابن من خلال نشر اليوميات الخاصة، ولنتفق بالعموم أنه لا توجد كائنات معقدة مثل الآباء، أصحاب الكلمات الكبيرة، والحكايات المتكررة التي تخفي جوانب الخوف والضعف. الأمهات في الطرف المقابل حماة اللغة المتوارثة، لزماتهم تمضي معنا العمر كله، وحكاياتهم تؤثث أحلامنا، ونكررها بصورة ركيكة على أبنائنا، وأدعيتهم المبتكرة تمنحنا الطمأنينة، وكلماتهم التي تعيننا على الوحشة والغربة في هذا العالم المجنون.
نحكم على التربية من كلمات الأطفال، نطلق مصطلحات على تربية شوارع من شتيمة نسمعها على لسان طفل التقط العبارة في المنزل بغض النظر عن سياقاتها، وهذا حمل إضافي على الوالدين. يمكن للالتقاطات هذه أن تكشف بعض الأسرار المنزلية. أحدهم يعمل معلم في المرحلة الابتدائية، وصادف ذلك اليوم، يومًا مفتوحًا للوجبات المنزلية، يمر الطلاب على مختلف الطاولات لتذوّق الطعام، وتتبدى العادات العائلية في الترحيب بالضيف والإكثار من رغف الطعام للآخرين. أحد الطلاب تذوّق من الطبق الذي يقف بجواره المعلم، وفي لحظة دهشة صادقة قال: “هذي الأكلة يبي لها خيط.”، يمسك المعلم الطالب ويسأله عن مصدر هذه الكلمات، ليكتشف أنه التكنيك المستخدم أو الدعوة المتوارية من الأب في المنزل بعد أي وجبة شهية تقدمها الأم!
في العلاقات العاطفية، اللغة المشتركة هي التي تظل عالقة معنا، الست تقول: “أهرب من قلبي أروح على فين، ليالينا الحلوة في كل مكان.”، وليتها قالت كلماتنا الحلوة في مكان. يمكن للإنسان مع مرور ما يكفي من الوقت أن ينسى معالم الآخر بالكامل، وجايز يمضي عمره في التقاط أشباه المحبوب، ليرسم في نهاية المطاف معالم جديدة وقناع مختلف نتيجة ذلك الهوس المحموم في البحث، ولكن يستحيل أن ينسى النكت الداخلية، والاستعارات التي بينهم، والحميمية المتوارية خلف ألف كلمة بديلة لدواعي الحياء أو ربكة البدايات أو أيًّا تكن أسبابهم، بعضهم يرتبك عند ذكر الاسم، وآخر عند كلمة أخرى لنجد في نهاية المطاف أن الحب بكل جنونه وبشكل مجرّد تمامًا، لغة خاصة تنسجها الأيام الوديعة بين شخصين، تخمرها السنين، وتختزلها الشواهد العشوائية العبيطة التي تتبدى لنا من وقت إلى آخر، تجعلنا ندرك أننا بنينا معهم عالمًا يسكن المخيلة، حاضرًا أحيانًا، ومنسيًا في أغلب الأحيان، عالم من الكلمات التي تجعلنا نبكيهم، ونندب حظنا عليها، وربما نشتمهم، نحبهم أكثر ونكرههم أكثر بالكلمات التي بيننا وبينهم.
اللغة هي حدود العالم، تفتتح غيردا ليرنر كتابها نشأة النظام الأبوي بصورة ليست جديدة كليًا عن تاريخ المجتمعات، صورة المسرح البشري. يعيش الرجال والنساء على خشبة مسرح، والجميع يؤدي الدور الموكل إليه، ولكن الأثاث متصوّر، ومدهون، ومُعرّف من قبل الرجال. ألّف الرجال المسرحية، أخرجوا العرض، وأوّلوا المعاني، أوكلوا لأنفسهم الأدوار البطولية، ومنحوا النساء الأدوار الثانوية، تقول إذا نظرنا إلى التاريخ المدوّن للمجتمع كما لو أنه مسرحية كهذه، ندركُ أن قصة الأدوار على مدى آلاف السنين دوّنها الرجال فحسب، ورُويت بكلماتهم. على ضوء هذه الافتتاحية يمكن للغة أن تصبح أداة قمع رهيبة، ويمكن بمجهود يسير استيعاب وجود عدد من الكلمات التي تضع المرأة في أدوار ثانوية، سواء في الكلمات العامية المستخدمة أو في الشتيمة أو حتى في الأمثال الشعبية. الأكثر جنونًا بالنسبة لي أن نرى اليوم هذا العالم يُعاد تأثيثه لتصبح الأدوار الأكثر أهمية لرجل تحوّل إلى امرأة أو امرأة تحوّلت إلى رجل، وتنشغل المرأة في صراع جديد تطالب فيه عدم منافسة الكائن الهجين لها في الرياضات أو الابتعاد عن المناطق الخاصة. نرى السعي المحموم لتأسيس ضمائر جديدة، وتعريفات تولد كل يوم، والتمسك بها قدر الإمكان، في محاولات لتوسيع حدود العالم. صدقًا لا أمتلك كلمات كافية لفهم هذا التعقيد، والأسئلة لا تتوقف، أفهم أنه يمكن فتح آفاق أخرى بالنظر إلى الحياة والعالم والدين من خلال الكلمات الجديدة، ولكن تبدو لي معركة الضمائر هذه مجرّد مستوطنات عشوائية في اللغة.
أجمل ما ابتكرته اللغة هي الاستعارات، ويطيب لي أحيانًا تخيّل أن كل ما يتطلبه الأمر لحياة طيّبة هي استعارة تتعلّق بها. بعد لقاء الغريب المألوف مع أبو يوسف، وفي طريق العودة بالمترو إلى المنزل، خطر في بالي ماذا لو توقعت لقاء الشخص الذي أرسم له آلاف الأقنعة، لأنه ما إن ينجح رهان واحد، فكل الرهانات الأخرى ممكنة! في الأسابيع التالية، استيقظت صباح الجمعة، وذهبت إلى مجموعة قرائية، بعد التقاط كتاب عبقرية اللغة، ووجدت أحدهم يرتدي معالمه، المعالم التي تتغيّر باستمرار، يتحدث عن كتاب بعنوان: أحببت وغدًا!
—
كتبت كل ما سبق قبل عرض الكتاب على المجموعة بالأمس، وصادف وجود مهندس صيني في المجموعة، سألته عن الرفض أو القبول المباشر في اللغة الصينية، وكان من المفترض أن يجيب بشكل أسرع لأتمكن من عرض الفكرة التالية، ولكن تحدّث لمدة عشر دقائق، وفي النهاية أخبرنا أنه في الشمال ما تزال هذه العادة اللغوية موجودة، أما في الجنوب والمدن الكبيرة للضرورة التجارية ابتكروا مصطلحاتهم الخاصة للإجابات المباشرة.