أشجار البرتقال المُر


“الحنين لا يؤكل، بل يُشم فقط.”
عبارة مشكوك في أمرها، تُنسب إلى ملك قشتالي

بحثت في رواية شجرتي شجرة البرتقال الرائعة عن افتتاحية يمكن وضعها في مقدمة هذه التدوينة، ولكن ضاع الوقت في مراجعة محادثات الطفل زيزا مع صديقه الرجل البرتغالي، هل كانت تبدو العلاقة ملتبسة هكذا عند القراءة الأولى؟ لا يهم. المقطع الذي أتذكره بشكل واضح هو الاعتراف الأخير: “مرّت السنوات، عزيزي مانويل فالداريس… في حنيني يجتاحني شعور بأنك ستظهر فجأةً وتجلب لي صور النجوم… أحيانًا أنا سعيد بحناني، وأحيانًا أخطئ وهذا كثير الحدوث.”.

أتخيّل أن كل ما يدور في فلك ذاكرتي يغلّف بسعادة الحنين هذه أما الخطأ فهو عملية تشذيب التفاصيل الصغيرة. العودة من الرحلة غالبًا ما يكون محملًا بالحكايات الكثيرة التي أصبحت أبحث عنها قدر المستطاع، ويُعاد سردها أكثر من مرة، وفي كل مرة تفقد جزءً من الدقّة، لماذا؟ أتصوّر من الحنين. يُقال من مزايا الشيخوخة هي عدم الحاجة إلى تبرير أو شرح أسباب تصرفاتك، وأحيانًا أتصوّر أن في عقلي شيخ ستيني أو سبعيني، لا يرغب في تبرير حُبه لرحلات الـ”سولو”، ولا عن إمكانياتها اللامحدودة في جمع الحكايات، الحكايات التي كلما ظهرت متأخرة، أصبحت معتّقة أكثر، ومغلفة بالحنين، وبالطبع تفقد الكثير من الدقّة. اليوم تبدو لي إشبيلية، مدينة أشجار البرتقال المُر، وبوابة العالم القديم والجديد، المدينة الوحيدة التي يمكن لها تجسيد معنى الحنين!

في إحدى الساحات الصغيرة، بعد تجاوز أشجار البرتقال، تجد تمثال رجل طويل يرتدي بدلة رسمية. عينيه مغمضة وكأنه في لحظة خشوع، تشعر أنها لا تليق إلا بقديس أو صانع معجزات، بمجرّد التأمل قليلًا تشعر كذلك بالعتب لأن فمه مفتوح على اتساعه، ويرفع اليد اليسرى وكأنه يريد التقاط شيءٍ ما، والأخرى تستند على الرخام الذي كُتبت فيه أبيات لصديقه الشاعر: “كان جسده كبرج، وصوته كجرسٍ يرنّ، لا مثيل له في هذا العالم، لأن الله كسر القالب حين منحه قلبًا كهذا!”. تعتلي الأبيات اسم الفنان الشعبي بيبي بيرخيل الذي يصوّره التمثال في لحظة تجلٍ وهو يصدح بإحدى أغاني الفلامنكو، لأن كان يحب الغناء واقفًا أو يمكن القول إنه يريد تحريض ذلك الشيء الذي يدفع الكائن البشري نحو الأعالي، وكل الهيبة في التمثال مجرّد تذكار لأهل الحي بنكته الخالدة وصوته الذي لا يتكرر.

بالقرب من التمثال تجد بابًا صغيرًا في بناية صفراء تنقلك إلى تابيرنا أندلسية كان يمتلكها بيبي، والتابرينا الأندلسية هي الحانات الشعبية التي يجتمع في سكان الحي لينفض كل شخص رداء التعب والهموم. قبل الدخول إلى تابيرنا بيرخيل تجد كلمة منحوتة من السيراميك: Quitapesares، والتي تعني حرفيًا مُزيل الحزن، وفي الثقافة المحلية تؤخذ الكلمة إلى أقصى إمكانياتها، هذا المكان الضيّق من العالم سيمنحك النسيان المؤقت، ولن يثقل عليك أحد بمعرفة أسباب حزنك، تنفّس كيفما تشاء، واضحك كما لم تضحك من قبل، وإن كنت محظوظًا بما يكفي ربما تستمع إلى صوت بيبي من الطرف الآخر من الساحة أو ابنه ألفارو أو أحد الأصدقاء يغني بالقرب منك، ستجد من تتملكه الجسارة للاعتراف بحبه، وآخر يبكي فراق الأحبة، وغيرهم تصيبهم مس الفلامنكو فلا يسع الأرض إلا تقبل الضربات، ولملمة الأوجاع المتساقطة بكل صدر رحب، وعلى الطاولة ستجد حتمًا قطعة تاباس، قطعة صغيرة من الخبز المحمّص، أبسطها وأكثرها شعبية يمسح عليها بالثوم، ويضاف إليها صلصة الطماطم، ومن ثم صبّ زيت الزيتون مع رشّة ملح بحري. يُقال إنها بدأت قديمًا في الحانات مع تقديم الكؤوس لحمياتها من الذباب بقطعة الخبز، اكتشفوا لاحقًا أنها تحفّز الرواد على الحديث أكثر والشرب أكثر، إذًا كل ما يتطلبه الأمر للشعور بالكلمة الشاعرية التي تعتلي التابيرنا هي قطعة تاباس مع نبيذ البرتقال.

يحكي لنا ألفارو بيبي بيرخيل عن النقش الأندلسي داخل التابيرنا التي تراوح بين اللون الأبيض والأخضر، وأن اختياره لهذه الألوان تحديدًا لتمثّل حبه لنادي ريال بيتيس، وفي نفس الوقت لا يمكن لأحد المشجعين المتعصبين لنادي المدينة الآخر الاعتراض عليه، فهي تمثّل كذلك علم منطقة الأندلس، المستلهمة من رايات المسلمين قديمًا. يذهب لإحضار طبق صغير فيه سبانخ مسلوق وقطع من الفول، مع الخل والكمون، ويقرر الحديث عن مصارعة الثيران، التي تعد من أكثر المواضيع جدلية في إسبانيا بجانب دكتاتورية فرانكو، وقد أُلغيت في العديد من المدن الكبيرة، وتعتبر إشبيلية من آخر المعاقل التي ما زالت تتمسّك بهذه الرياضة أو الفن كما يسميها ألفارو، يرى بأنها تجسيد للصراع القديم بين الإنسان البدائي والطبيعة المتوحشة، والرقص مع الخطر، وتوجد أصوات أخرى مغرقة باللطف والحنان، وحُب الحياة الكريمة للحيوان، تطالب بالتوقف عن هذه الممارسات، وألفارو يؤكد أنها من أجود أنواع الثيران، تعيش في حقول شاسعة قبل أن تذهب إلى ساحة المعركة، ويُستفاد من لحمها لاحقًا، وفي كل الأحوال وضعها أفضل من لحوم ماكدونالدز التي يمارس عليها الإرهاب ضد الحيوان. الحقيقة لست مهتمًا بتشكيل رأي خاص في هذا الأمر، هذه ليست قضيتي، ولكن أميل إلى التمسك بالفنون والثقافات المحلية التي تميّز البلدان عن غيرها، والحنان الزائد نوفره لحياتنا اليومية وللإنسان متى ما أمكن ذلك. المهم وأنا أكتب هذه السطور تذكرت “إلتورو” في تيمون وبومبا، لا أعرف متى شاهدت الحلقة، ولا أتذكر عمري حينها، عدت إلى مشاهدة الحلقة، ومع سماع تيمون يقول: “بومبا إزا كُنت إنتا بومبا أومال مين بومبا اللي هناك دا.” شعرت بالحنين للمبة الطويلة البيضاء، وتلفزيون الأنتل، وصوت المكيف في الظهيرة.

على بعد أمتار من تمثال بيبي بيرخيل، الشخصية التي تفتنني على أرض الواقع وفي عالم الروايات، الشخصيات التي صنعت وأتاحت صنع الذكريات في نطاق ضيّق ومحدود، وربما لم تتجاوز سمعتها أطراف الحي، المهم بعد تجاوز العديد من الأزقّة الضيقة، وسماع صخب الأحاديث، لأن أهل إشبيلية يحبون الحديث بصوت مرتفع وقوفًا أمام مختلف مزيلات الأحزان أو الأماكن التي تعيد ترتيب الأشياء أو لنقل محطات النسيان المؤقتة، والمرور من عشرات أشجار البرتقال، وأكثر منها الأبواب الأندلسية المتنوعة، توجد واحدة من أقدم الساحات في أوروبا بها عامودين رومانية شاهقة على أحدها هرقل يحمل هراوته وعلى الآخر يوليوس قيصر، الأول الذي صارع أعظم الوحوش التي ابتكرتها مخيلة الإنسان، والآخر صاحب مقولة: “حتّى أنت يا بروتوس.”، ويمكن القول إن المدينة نشأت بين يدي أول رجل يؤلّه في روما القديمة، وبين الأسطورة التي كانت ندًا لكل الفرسان، وهزمته النجلاء في نهاية المطاف.

إشبيلية كذلك بدأت فيها محاكم التفتيش، والتي تهدف إلى نقاء العقيدة الكاثوليكية، وتنقية المجتمع من أي شكل من أشكال الهرطقة، سواء من ممارسة الديانات الأخرى سرًا أو علنًا بالمظهر والملبس، وتُعنى بصلاح الناس من الأفكار الهدّامة مثل دوران الأرض حول الشمس، وسحب الاعترافات بأي طريقة كانت، وحرق الكتب والمشعوذين وغيرهم. وجدت دراسة تربط التديّن الظاهر في كل زوايا المدينة بشكل لا تخطئه العين، الصلبان المعلقة في كل مكان، ومجسمات القديسين، ومحلات الخياطة للرداء المخروطي بألوان ونقوش متنوّعة، وحتّى في قطع المغناطيس التي تعلّق على الثلاجة، نتيجة حتمية لممارسات محاكم التفتيش في المدينة قديمًا. إشبيلية من أشهر المدن التي تحتفل بأسبوع الآلام الذي يجسّد فيه رحلة المسيح الأخيرة، المواكب تسير في الشوارع والأزقة، وتُحمل التماثيل، وتعزف الألحان الحزينة، ويبكي الناس المسيح، وأكثرهم صدقًا في ذلك، أقربهم إلى التوبة، وصفاء الروح، ومعظمهم يرتدون الزي المخروطي، ويُقال إن أحجار المدينة في ذلك الأسبوع يُسمع أنينها أحيانًا.

سنوات قليلة بعد البداية الفعلية للمحاكم، يستعد كولومبوس لرحلاته التي غيّرت شكل العالم، انطلاقًا من ميناء إشبيلية، ليجلب خيرات الأراضي الساحرة، وتصبح المدينة بوابة العالم الجديد، والمحطة الأولى التي تستقبل كنوز الطرف الآخر من العالم، وإلى اليوم رماد كولمبوس أو جزء منه ما يزال في كاتدرائية إشبيلية، في صندوق يحمله أربعة فرسان تمثّل الممالك الإسبانية، وعلى بعد خطوات من الكاتدرائية، يوجد مبنى أرشيف الهنديات الذي يضم كل المخطوطات والرسائل وحتى الصناديق التي عبرت البحار والمحيطات، وتقنيتها المتقدمة في طريقة فتحها، لحمايتها من القراصنة وطمع البحّارة وغيرهم، المبنى الذي صادف ذلك اليوم زيارة مدرسية لأطفال في المراحل الأولية، وتقف المعلمة أمام البورتريه الزيتي لكولمبوس وتشرح لهم شيئًا ما وهي توزع الابتسامات بين الأطفال، وتساءلت ماذا يحكي المعلمون للأطفال عن الشخصية ذاتها في الطرف الآخر من العالم!

بدأت المدينة تستقبل الفنانين والشعراء والأثرياء وحتّى البحارة المتطلعين للعالم الجديدة من كل بقاع الدنيا أو من أوروبا تحديدًا لتحتضن العمران الحديث جنبًا إلى جنب مع الفناء الأندلسي الباهر، ولا يتطلب الأمر دراسة في العمران للتمتع بالأشكال الهندسية الموزعة في المدينة، المزج الذي تجد فيها نقشًا إسلاميًا، ورأس أحد الكائنات الخرافية من الفترة القوطية، أو الأقواس الرخامية الضخمة من عصر النهضة التي تضم في إحدى زواياها عبارة: “لا غالب إلًا الله”، وغيرها من الشواهد الكثيرة، ليطلق عليها لاحقًا العمارة المدجّنة.

المزج أو التدجين أو تزاوج الأعراق ينتج أجمل السلالات، في المدن وربما في البشر أيضًا. أنتوني قائد رحلة القرى الأندلسية البيضاء وروندا التي بنيت على تل أو سفح جبل، يخبرني في الأحاديث الجانبية على هامش المعلومات التاريخية عن المنطقة، والتي يعرف الجميع أنها ليست دقيقة تمامًا، يقول إنه يحب حُب العرب لأمهاتهم، وقد جمعه الأب مع إخوته التسعة، وقال فيما معناه، إنه مهما حدث بيني وبينها، يجب أن تقفوا في صفها لأنه لا يمكن التشكيك أبدًا في أنها أمّكم. يؤكد أنتوني أن العالم سيكون أجمل لو تم التزاوج بين كل الأشياء، وإشبيلية تشبه العاهرة التي لا ترفض أحدًا، وتستقبل الجميع، وبشكل ما أصبحت أجمل مدن الدنيا، وبعدها سألني صراحةً منهن أجمل نساء الأرض؟ وكأنه لم يسمع إجابتي، يعلّق على أن البنميات هن الأجمل، لأنه في عروقهم تجري دماء السكان الأصليين، والمستعمر الإسباني، والعمّال الصينيين، والتجار الإنجليز، وكذلك الأفارقة.

يكمل أنتوني لاحقًا أن البرتقال الذي يظلل المدينة، وينشر رائحتها في الطرقات والأزقة، اكتُشف أنه إذا مزجت بذوره في تربة نبتة أخرى، يتحوّل هذا المزج، بعد تجفيفه وطحنه، إلى بارود يستعمل في المعارك، وأثبت لنا هذا بعد قطفه إحدى البرتقالات، قضم أعلاها، ضغط البرتقالة، وأشعل الولاعة، وفعلًا اشتعلت. ويطيب له في كل لحظة أن يقول لنا إن الإشبيليين مضحكون، سعداء، وغشاشين. على سبيل التأكيد حكاية التاجر الإنجليزي، الذي قدم إلى المدينة وأذهله البرتقال المنتشر في كل مكان، وبعد أن مرروه على أحد التابرينات، أقنعوه أنها صفقة ناجحة لحمل البرتقال معه بسعر معقول، وبيعه هناك، لأن المدينة في كل الأحوال تتخلص من أعداد هائلة منها بشكل شبه يومي، يقتنع الإنجليزي السكران، وحمل معه صناديق عديدة، ولم يكتشف أنه لا يمكن أكل البرتقال إلى بعد وصوله. تبتكر زوجته تفاديًا للخسارة الهائلة، مربى البرتقال المُر، ويُباع إلى اليوم تحت مسمى مربى إشبيلية في الأسواق الإنجليزية. يقول أنتوني بعد الاعتذار للإنجليز، ليس اعتذارًا صادقًا بل لضمان مراجعات جيدة وتقييم مرتفع، أنه من المعروف أنهم يأكلون كل شيء، حتّى لو وضعت خرا على الطاولة.

أتصوّر أن المدن تطبّع سكانها بطباعها، المدينة التي تصرّح أنها أرض الضحك والسعادة والغش. في الليالي الأخيرة تعرفت على خيراردي الكولومبي من أصول لبنانية، يُصر على أن غابرييل ماركيز كان يعيش في القرية التي عاش فيها، وسألته إن كان يعرف محمد عبده، لم يعرفه، ولكن في كل الأحوال أخبرته إن عرفه يومًا فهو إما صديق للعائلة أو معلم المرحلة الابتدائية وعليه اختيار الإجابة التي تعجبه. يحب أهل إشبيلية إطلاق الألقاب، كان يتنمر أهل الحي على الرجل الأحول، صاحب أحد المطاعم الصغيرة، قرر أن يغيّر اسم المطعم إلى “الأحول”، ويدير أحفاده المطعم إلى اليوم. علّق الأحول لوحة بداخل المطعم، وهو يقف بجانب آلة القهوة، وعلى محياه ابتسامة كبيرة، تعتليها نظرته التي لا تعرف إلى أي اتجاه تتطلّع.

إشبيلية فاتنة بطريقتها الخاصة التي لا تشبه أيًّا من المدن الأخرى، وكأنها قرية تجمع كل شيء في مكان واحد، القرية التي تضم العديد من الحضارات، والكثير من الحكايات المتنوعة، ويظللها البرتقال الذي يُقال إن أحد ملوك قشتالة غرسها لزوجته التي كانت تشتاق لعطر الأندلس، ولكن طعمها كان مرًّا، ليرد عليها: “الحنين لا يُؤكل، بل يُشمّ فقط!”. لا أحد يعرف من الشخص الثالث الذي كان يجلس بينهم عند نطقه لهذه العبارة، ولكن الأكيد أن إشبيلية فتنتها الخاصة هي هذا التجسيد للحنين، الحنين لكل شيء، ولأنه لا يؤكل، فكل ما يسعك هو شمّ رائحة البرتقال.


أضف تعليق