“منزل كبير.. سيارة فارهة.”
عبارة تتكرر عشرات المرات من شخصية تنسج الأحلام لأبنائها
تعود إحدى أقدم الذكريات في قيادة السيارة إلى البرحة المجاورة للمنزل، ددسن ثمانين، بنوافذ مفتوحة، وسجادة خضراء تتوسّد “التندة”. كنت أرى السيارة تغيّر مكانها، ولكن أجدها دائمًا في نفس البقعة تقريبًا، ولا أتذكر تحديدًا أسباب الجسارة للاقتراب منها. قررت فتح الباب والجلوس خلف المقود، وادعاء أنني أقود السيارة، رفعت السجادة الممتدة أمامي، ووجدت مفتاحًا، جربته، وفعلًا اشتغلت السيارة. عرفت بعد سنوات طويلة، لو استعملت ملعقة، كانت ستفي بالغرض. المهم في مساء ذلك اليوم سألت أبي عن طريقة القيادة، ولماذا توجد ثلاث دعّاسات -إن صحت التسمية- عند موضع القدم، وشرح بالتفصيل عملية التوازن بين الأول والثالث، ترفع ببطء هنا وتضغط بخفّة هناك، والقاعدة أنه مهما حدث لا ترفع القدم اليسرى، ومع مرور ما يكفي من الوقت ستجد القدم اليمنى إيقاعها الخاص بين الأول والثاني، وبعدها ألحق الشرح بوعد بتجربة القيادة في البر. في الأيام التالية، الناس تصلي العصر، وأنا أحاول بكل دهشة ومتعة ورهبة تحريك السيارة إلى الأمام، وإعادتها إلى الخلف، وفي نفس الوقت كلي آذانٌ صاغية لإحصاء عدد الركعات، لإيقاف السيارة في مكانها، واللحاق بالسجدة الأخيرة مع الجماعة.
تمضي الأيام، وتنتقل التجارب إلى أرض الواقع لقضاء احتياجات المنزل، وإن كانت بالخفاء في بداياتها، والمبدأ أن الجنة تحت أقدام الأمهات، بالسيارة التي تُعد واحدة من أحلام المفحطين، والتي ترغمك وإن كنت أعقل شخصًا على وجه الأرض، بسحب الـ”جلنط” عند أي لفّة تصادفك لتنساب السيارة مثل موجه ساحلية فاتنة، وتمتلك صوت “زرّة” لا يشبهه أي صوت آخر، البحّة أو النحنحة التي لا يبدأ المشوار إلا بها، كانت ماكسيما 98. سُرقت السيارة، ووجدناها لاحقًا في ساحة تفحيط، وهي شبه معدومة. في إحدى تلك الرحلات السرية، اصطدمت بشكل خفيف، وخفيف هنا ما يقنعني به الضمير، بسيارة متوقفة أمام محل السعيد -أبو ريالين-، ومع الربكة والخوف هربت دون أن أتوقف، لم تتأثر السيارة، ولكن قطعًا خلّفت أثرًا في السيارة الأخرى. اليوم ربما أكون أكثر شخصٍ يتسامح عند الاصطدامات الخفيفة، وحتّى عندما أجد السيارة “محكوكة” من إحدى الجهات بعد العودة إليها في مكان مزدحم، ومؤمن تمامًا أنها مجرد كارما للهروب من حادثة المتوسطة.
تمضي الأيام، وأجد نفسي سوّاق المنزل لإيصال الأخوة إلى مدارسهم، ودائمًا دائمًا أتأخر، لأني أعرف أن الوصول إلى الطابور الصباحي متأخرًا، يعني الوقوف مع المعاقبين، وممارسة الطقس العسكري، الدوران حول الساحة. لكن إن حدث وفاتك هذا الطقس، ستسمع كلمتين معتادة من الوكيل، وتمضي الأمور في حال سبيلها. رشوته في أحد الممرات بتصميم تهنئة لابن عمه الحاصل على رتبة عسكرية جديدة، وتحول الأمر إلى سلام بالنظر قبل الدخول إلى الفصل بغض النظر عن زمن الوصول. كانت الإكسنت 2011 بالشكل القديم هي المرة الأولى التي أشعر أنني أمتلك شيئًا كبيرًا وشخصيًا بالكامل، أتذكّر فوّاحة الكرز، والتظليلة العاكسة، والحرص كل الحرص على تلميع الكفرات بعد أي غسلة. يتحدث البعض في المرحلة الثانوية عن أنواع السيارات الفارهة، ومختلف المحركات التي تصدر الأصوات المزعجة، والوصول إلى سرعة معينة في ثوان معدودة، وعدد الأحصنة التي إلى اليوم لا أعرف كيف تُقاس، ولماذا الحصان دون غيره! وأنا أشعر بالرضا الكامل لبوق الإكسنت الذي لا يختلف كثيرًا عن أي دراجة هوائية. عاشت معي السيارة قرابة الثماني سنوات، وعلى متنها توقفت في أكثر شوارع دبي رفاهية، بل طلبت من الفاليه إيقافها، ونزلت بكل ثقة بالقطني وتي شيرت اس ميلان، ومشيت في طرقات الدوحة عليها، وأوصلتني إلى مكة، وقامت بكل ما يقوم به الأصدقاء، يبرّد الأصدقاء الخاطر، وهي برّدت كل الأشياء مع لبس الإحرام. حافظة الأسرار، وحافلة العائلة، والأغنيات الأولى، والمكالمات الطويلة، وعشرات المرات إلى الجامعة في طريق الشرقية، عرفت كل الأغاني التي أسمعها اليوم في ذلك الطريق، وكانت رفيقة الدرب في كل ما تحمله الأيام الأولى والوسطى في الخبر والظهران والدمام، وكذلك طرقات وأزقة الأرض الطيبة المجاورة.
انتقلت بعدها إلى السيارة الحالية، سيارة عملية وقوية ولديها صوت فاتن، الفتنة قيلت لي، لكن لا أفهمها. أتت السيارة في الوقت الذي يتحوّل فيه المرء من اللعب إلى أشياء أكثر جديّة، هواجس القرب من التخرج، وبعدها الطريق إلى العمل، ولا أعرف لماذا لا أشعر معها بارتباط وثيق مثل السيارات السابقة، مع أنها شهدت أجمل لحظات العمر، ووعاء مذهل للذكريات. أتصوّر لأنها لا تزال في متناول اليد، وربما لأنها تحصيل حاصل في المسار الطبيعي للأشياء، لا أعرف، ولكن أعرف أن حارس الأمن في إحدى البوابات لم يبتسم أبدًا، وكأن بيننا عداءٌ قديم، ويسألني أحيانًا عن البطاقات النظامية، على الرغم من مروري عليه مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيًا. وفي اليوم الذي زرت فيه هذا المقر مع المدير بسيارته الفارهة، رأيته للمرة الأولى يرحّب بيديه، وتظهر أسنانه الصفراء، وأعترف لم أندم على أي شيء إطلاقًا!
ما زلت مقتنعًا بأن الدور العملي للسيارة هو أهم ما فيها، ولا أستطيع ولن أستطيع فهم الأشخاص الذين يستأجرون سيارات فارهة عند السفر! السمات الملحوظة والمشتركة بينهم، أنه بدلًا من تصوير الطبيعة الخلابة لجبال الألب أو اللوحة التي توضّح المدينة التالية، تجد أن شعار السيارة على المقود يقتحم الصورة، ولا أستطيع تحديد كيف وأين تمركز الهاتف لهذه الالتقاطة. شاهدت بعضهم يصور بالفيديو شاشة السيارة التي تظهر اسم أغنية محمد عبده، أغنية نعرفها جميعًا، والجبل يطل باستحياء في السدس الأعلى من المشهد. أحد الفعاليات على تطبيق ميت أب، جولة بسيارة فارهة مكشوفة في شوارع الرياض، ويضيف صاحبها في الوصف: “آه ما أرق الرياض تالي الليل.”، وعند العودة إلى سجل الحضور تجد أن غالبيتها محجوزة، وأتساءل ما هو الشيء الذي يضفي هالة معينة تسبب التعلق أو تخلق جاذبية للسيارات الفارهة؟ صدقًا لا أمتلك إجابة دقيقة، بغض النظر عن عدد المرات التي سألت فيها، ولكن جايز المكانة المجتمعية أو الجاذبية من المظهر العام أو منجم ذهب متحرك، لا أعرف.
على الضفة المقابلة، شاءت الأقدار أن أحتّك بأحد المهووسين بإثبات أنه يمتلك سيارة فارهة، وأعتبره من الشخصيات الأيقونية التي مرّت علي، والشخصية الأيقونية هي التي تتصرف تصرفات لا يمكن بأي شكل من الأشكال فهمها بشكل واضح، لأن تصرفاتها تتسع وتحتمل كل التفسيرات العامة والثقافية والسريرية، فجوة هائلة مهما ألقيت فيها لن تسد الفراغ ولن تصل إلى النتيجة. لا أعرف إن كنت من سعداء الحظ أم لا، لكنني أعرف جيدًا على الأقل خمس شخصيات ينطبق عليهم هذا الوصف، وكلٌّ يدور في فلك مختلف تمامًا، ولله في خلقه شؤون.
إحدى هذه الشخصيات، ولنسميه أنف الريال -أعلم أن الاسم سخيف جدًا، لكنه الوحيد الذي تسلل إلى ذهني-. في أول محادثة معه، يخبرني أنه عاد للتو من دبي، ولسبب ما قرر مشاركة أنه يحب أن يأخذ “الرنج” من المطار، وينتقل إلى المنتجع، ويقضي أسبوعين هناك بتكلفة تقريبًا 40 ألف ريال “بس”، ومن باب المجاملة وحسن النيّة، لم أدقق كثيرًا في موضوع المبلغ ولا السيارة. يحكي الآخرون لاحقًا أنه في اللقاء الأول معهم، قال فيما معناه، أنه اكتشف اكتشافًا أزعجه كثيرًا، ويتمنى ألا يتكرر معهم. زملاؤه السابقون عرفوا أنه يمتلك سيارة فارهة، وأصبحوا يتجنبونه، فقرر أخذ سيارة تليق بهم، وعادت العلاقات إلى سابق عهدها. في إحدى المرات طلب أنف الريال أن نتحرك قليلًا، ونمشي في الأرجاء، صحيًا أفضل، ومجددًا بحسن النية صدّقت الأنف. نزلنا إلى مواقف السيارات، وبعد نصف دورة، يؤشر على سيارته، ويسألني: “وش رايك نجلس في السيارة؟”، ضحكت وعلقت كيف الدنيا تدور بطرق غريبة أحيانًا! المهم اكتشفت متأخرًا أن الهدف من الممارسة الرياضية هو الاطلاع على السيارة، بعد الرفض على استحياء، قرر إخباري أنه دائمًا يحب النزول، والبقاء فيها، لأنها تمنحه راحة مؤقتة، تعيد له النشاط لإكمال مهامه اليومية، المهام التي ترتكز بشكل أساسي على إيجاد الزاوية الملائمة من الطاولة لوضع المفاتيح عليها.
مواقف أنف الريال لا تنتهي، ولكن كما ذكرت هي المرة الأولى التي أحتك فيها بشخص مهووس بهذا الشكل، وحاولت قدر الإمكان فهم هذه التصرفات، الإجابة السهلة والمباشرة: عقدة نقص أو حديث نعمة، ولكن يبدو لي الأمر أكثر تعقيدًا. أتخيّل كل إنسان يتمسك بقيمة معينة يرى أنها جديرة بالذكر، أيًّا يكن شكل أو لون أو مسمى هذه القيمة. كلنا تقريبًا مرّ علينا الدكتور الذي يتحول إلى طفل مزعج عند تفويت مسمى الشهادة، ونعرف آخرين متعلقين بالنادي، والعضلات التي يُصر أصحابها على أن نراها كل يومين، ونرى دون مجهود يُذكر مؤخرات في كل تطبيق تقريبًا، يتفاعل معها أعداد مهولة، وكأننا نعيش في عالم تندر فيه وجود المؤخرات، وتمر علينا عشرات “السيلفي” برأس مائل، دليلًا على العفوية، وشفاه بللها اللعاب قبل ثوانٍ لتعكس اللمعة مع انعكاس الشمس، وصادفت شخصيًا أنف الريال الذي لا يفوّت أي فرصة لإخبار الجميع عن السيارة الفارهة. أتصوّر أن جميع هؤلاء وغيرهم عشرات النماذج الأخرى تشترك في قيمة البحث المستميت عن القبول، الذي يغذّي الكبرياء، والصورة المتخيلة. جايز المؤخرات تبحث عن الاشتراكات، لكن ما علينا، يطيب لي تفسيرها بالبحث عن القبول.
هناك حاجة تدفع الإنسان لكسب قبول الآخرين، أن تبدو جذابًا بشكل من الأشكال، أن تحصل على الإعجاب وعشرات التعليقات، حتّى لو كانت على شكل أيقونة في مواقع التواصل الاجتماعي. مؤمن تمامًا أن الأكثر حظًا هم الوسيمون والجميلات، كل ما يتطلبه الأمر هو الحضور فقط لإرضاء الغرور الداخلي، والتلذذ بقيمة القبول، مع شرط عدم التحدث. الصورة النمطية التي تجمع بين الاثنين تبدو لي أنها نشأت بسبب هذا اللبس عند الحديث، عقلك يملأ الفراغات، وتنهار الأشياء عند أول كلمة، وأتخيّل أحيانًا أن بعض الشخصيات الأيقونية معروفة لأنها محظوظة فقط.
مضى أنف الريال في حال سبيله إلى مكان آخر، وأتخيله يعيد عليهم الحكايات، ويدعو أحدهم للركوب معه، وغالبًا سيجد شخص أكثر لطفًا وأقل صداعًا، يشاركه مديح تدفئة المرتبة، وتغيير الألوان الداخلية بضغطة زر، ويسأل عن عدد الأحصنة، ويصنع يومه بشكل يجعله ينام الليل مطمئنًا، أقول بعد أن مضى، بدا لي بشكل واضح جدًا هشاشة الإنسان، وتعلقه أحيانًا بأشياء تافهة لإثبات أنه يمتلك شيئًا يعبّر عن الإنجاز أو النجاح أو المكانة، وسيجد حتمًا من يمنحه هذا القبول المؤقت والمشروط. لن يتحدث عن الكد والتعب أو حتّى حظوظه في الدنيا، لا، هدفه بكل بساطة، مثله مثل المئات غيره، نداء مستميت يحاول من خلاله أن يقول لنا بشكل واضح: “أرجوكم.. حبّوني أكثر!”.