قصة قصيرة
ألم أسفل الصدر، من المنتصف تمامًا، يجبره على المشي للتخفف منه. بدأت الأعراض قبل شهرين تقريبًا، ويطيب له تخيّل أن هذه من تبعات بلوغ سن الثلاثين. السن الذي يشعر أصحابه أنهم كبروا فجأة، وتداهمهم نوبة هلع على شكل سؤال ثقيل: ما الذي تبقّى من العمر!
يعرف أن كل حركة أو تصرّف يجب أن تخضع لميزان العقل، ويعلم كذلك أن تبعات الأمور واضحة وجليّة. أي خطأ يرتكب فهو بالعمد وليس وليد الصدفة، ولا يمكن أن يُحمّل تحت ذريعة طيش الشباب، وحتّى شماعة عقد الطفولة تبدو سخيفة وسمجة. تبدأ الأعراض في اللحظة التي قرر فيها محاكمة الأشياء، والالتفات إلى الخلف. من شرفة الثلاثين يطل على العشرينيات، الخفة وعدم المسؤولية مقابل الجديّة وحياة الأسرة، يشعر بأنه على أعتاب منعطف مهم في الحياة، ويجب لسبب مُلح ارتكاب أخطاء أكثر، والسير بأقدام أكثر جرأة، يفكر أن الخطوة الأولى هي بناء الجسور المحطمة مع الذين شاركهم أخف مراحل العمر. كانت تأتيه هذه الأعراض من وقت إلى آخر -وبالفعل- يبدأ في تجهيز الرسائل، ولكن ما إن يُكمل صياغة الرسالة القادرة في ظنّه على تحريك الأشياء، يقرر التوقف في اللحظات الأخيرة، ويكرر على نفسه بدافع الكبرياء أو الخوف من الرفض: “لا لست نادمًا على شيء.”
تزيد هذه الأعراض عندما يصادف أحد شواهد الذكريات الكثيرة أو عندما يشعر بأنه غارق تمامًا في الروتين المتمثّل في الدائرة اللانهائية بين العمل والمنزل، المنزل والعمل، هذا الروتين الذي يدرك بأنه ربما كانت أحلام الكثير من حوله، أن يغرقه الدفء والحنان والسقف الآمن، وفي الطرف المقابل زملاء عمل يتطلعون إليه كنموذج يُحتذى به. يعلم -بشكل قاطع- أنه من المحظوظين جدًا، هو مشبع عاطفيًا، وماديًا لا ينقصه شيء، ولكن في اللحظة التي يستوعب فيها هذا الأمر، يفتقد الجنون والطيش والخطوات الجسورة، إذًا يفتقد الأمور التي يمكن أن نسميها ألعابًا. في الثلاثين تأتي وترحل هذه الأفكار المقلقة -وفي المقابل- تزداد آلام أسفل الصدر.
فجر ذلك اليوم، ضرب الألم صدره بطريقة جعلته ينسى كل ما حوله، نهض من السرير ليقطع الغرفة طولًا وعرضًا، وما زال الألم مستمرًا. لعن الثلاثين وهو يرتدي ثوبه، ويصفف شعره أو المتبقي منه، ويذهب إلى الطوارئ لمعالجة هذا الأمر، وهو يفكّر أنه وصل إلى المرحلة التي يجدر بها مداراة صحته قبل أي مشاعر بفوائت الحياة ومسراتها المفقودة. يصل إلى العيادة بخطوات ثقيلة، بللها تعب السهر، وأسئلة اللا جدوى.
يستقبله الطبيب ويسأل عن بدايات الألم، وعن آلام في مناطق أخرى، وضغطه هنا وهناك ليقيس ردّات الفعل. قرر أن الإجراء الأنسب هو تخطيط للقلب، وسونار، وسحب الدم للتحاليل. كان يستخف صاحبنا الثلاثيني عند أمرين فقط: القلق المفاجئ والجميلات اللعوبات. تجري الممرضة تخطيط القلب، وتتطلع إلى النتائج في الوقت الذي يتطلّع إليها، وبعد مضي ما يكفي من الوقت يسألها: “غالبًا مُصاب بالحنين.”، لم تعلّق على الأمر، ولم يفقد الأمل في خطف ضحكة عابرة تؤكد على أنه ما زال في ميدان اللعب. كرر المحاولة لاحقًا عند الخروج من غرفة السونار، وقال لها: “أبشرك ولد”. ضحكت، وبدا راضيًا عن نفسه، لكن القلق من نتائج الفحص وتحليل الدم ما زالت تلوح في الأفق.
يقطع الممرات جيئة وذهابًا إلى وصول النتائج، ما زال الألم مستمرًا، يظهر الدكتور من ممر جانبي، يتقدم بشكل مباشر إليه، ويحمل ابتسامة مريبة، الابتسامة التي نتصنعها عن محاولة نقل الأخبار السيئة أو قبل التصريح بشيء نعلم يقينًا أن سيزعج الطرف الآخر. يصبح الزمن أكثر حدةً، وأكثر ثقلًا من اللازم، يصل الدكتور بعد يسأل عن الحال، السؤال الذي لا يختلف كثيرًا عن صديق تعرفه من أزمنة غابرة، وتقاطعت الطرق أو الأسباب في مكان عشوائي، وبعد أن أجاب، يقول له الدكتور: “تفضل استريح الله يعافيك”.
فجأة وجد نفسه في المنزل، يمر على الغرف، يقبّل ابنته التي لن تعرف أبوها جيدًا، الأب الذي يمتلك مخزون حكايات لن تتكرر علي مسامعها إلا عشر مرات فقط، ابنته التي لن يشهد لحظات أفراحها العارمة، ولا أحزانها الجيّاشة. لن يعرف أبدًا كيف ستعبر عن حبها، عن إحباطها. لن يدرك اللحظة التي تعرف فيها أنه كان رجلٌ يحاول خلق حياة كريمة وفق معاييره التي يعتقد أنها على صواب. زوجته في الغرفة المقابلة، من طرف الباب يطل عليها ويبتسم، الوقت لا يكفي للقُبل. يركض إلى غرفة المعيشة، ويبدأ في كتابة الرسائل التي حتمًا ستصل، تصل كيفما شاء لها أن تصل، وتبقيه في الذاكرة لمدة أطول، وشعر -للمرة الأولى- أنه نادمٌ على كل شيء.
بدأ في صياغة رسائل الامتنان لكل من يحبهم، الزوجة، الابنة، والأصدقاء القريبين. يكتب رسائله الصريحة إلى زملاء العمل والمدراء السابقين. يقرر فتح الصندوق الأسود، الصندوق الذي لن ينتهي شعور بأن هناك كلامًا لم يُقال بعد، الوهم الذي يشكّل القاعدة للحنين، يعرف ذلك جيدًا، لكنه بدأ يكتب في كل الأحوال: “إلى ….”.
“لو سمحت”
“لو سمحت”
يرفع بصره إلى الأعلى يجد الطبيب يقف أمامه، ويعيد اللطف العارم: “تفضل استريح”، ويشعر بالغضب: “منيب مستريح، عطني العلم”. يخبره بأن الأمور كلها طيّبة، ولا حاجة كذلك إلى المضادات الحيوية، وطلب منه الجلوس لأنه يبدو متعبًا ليس إلا. كاد أن يعطيه محاضرة على أسلوبه في التعامل مع المرضى، ولكن رأى المنشور الأخضر في الخلفية: عقوبة الاعتداء على الممارس الصحي لفظيًا أو جسديًا تصل إلى مليون ريال، والسجن إلى 10 سنوات!
يخبره الطبيب عن إمكانية صرف عذر طبي للتغيّب عن العمل، ليرد: “لا شكرًا، ما ودي يتغيّر الروتين”.