قصة قصيرة
بعد سنوات طويلة، ومن أمام محل الأزياء، سيتذكر تلك الأمسية البعيدة التي همس فيها الجد عن السر الذي ظلّ يحمله إلى آخر لحظات العمر. كان الجد الخيّاط الوحيد في القرية الصغيرة، القرية التي ما زالت آنذاك تتعامل مع متطلبات الحياة بالحد الأدنى، ولا تمتلك رفاهية التنويع على منتجاتها. المخبز لا ينتج إلا الخبز اليومي، الدكان الذي يعمل كوكيل للنيابة بتسجيله الدقيق لديون الأهالي في الدفتر، والنجّار الذي لا يصنع إلا ما يسترون به بيوتهم، والعطّار الذي يقوم مقام الطبيب العام في أيامنا هذه، ومهن أخرى محددة ودقيقة باتت تُعرف العوائل بها مع مرور ما يكفي من الوقت، وكان هناك المجنون الذي لم تُعرف له مهنة، ولم يحفظ له الزمن أي اسم.
كان الجد يصنع لوازم المنزل: ملاءات ومفارش وستائر، وبعض القمصان بالإضافة إلى الثياب الداخلية، وملابس الأطفال. أحيانًا يُغلق المحل، ويعمل من الداخل، ويعرف الأهالي على الفور أن هناك عرسًا في الأيام القادمة، يحترمون خصوصية جهاز الزواج، ويمرون من أمام المحل سريعًا. في لحظات قليلة نادرة ينافس العطّار في تلبية طلبات اللواتي يرغبن في الإنجاب، يبتكر قطعًا غير مألوفة، ولم يحصل في يوم من الأيام على رأي دقيق في اختراعاته العجيبة، ولكن يسمع بعد قرابة عام عن وصول مولود جديد. كان يحكي ضاحكًا في دوائره الصغيرة أن يديه لمست أكثر من نصف المنازل لمدة أطول من أي شيء آخر، وربما أكثر من الهواء نفسه!
في إحدى الليالي، بينما يفكّر في الابتكارات الجديدة، يقرر تجاوز القطع القماشية العملية، ويعرض على الملأ الأعمال التي ظلت حبيسة المخيّلة والأرفف الداخلية. الأعمال التي تعرض فستانًا أو جلبابًا بألوان زاهية، تحمل نقش الورد والقطع الأخرى اللامعة. بدأ الأمر بتعليقها على باب المحل، وتطوّر الأمر لاحقًا بعمود يتقدم المحل على عتبة خشبية، ليستيقظ أخيرًا سكان القرية على وجود مانيكان بملامح شبه دقيقة ترتدي جلبابًا أصفر يزدان بالورود الحمراء، ونقش عشوائي يحيط بالعُنق، وتقف بشكل شامخ على ارتفاع لا يمكن أن تخطئه العين من مسافة بعيدة.
يمكن القول بأن المانيكان قلب القرية رأسًا على عقب طوال أسبوع كامل، وسرت الحكايات القديمة والجديدة في كل المنازل. كان الجلباب يبدو مألوفًا على القرية، كان ذلك النقش شرارة عشرات الحكايات الغرامية قديمًا، بدأ الأجداد يضيفون تفاصيل مختلفة على حكايات الغواية الأولى، والجدّات تنسجن شتائم متنوعة تتعلّق بالفضيحة على الملأ، والصبيات يرين أن هذا هو القوام الأمثل، وأشعلت في الشباب بواكير خيالات جامحة، والأطفال يرون أنها وسيلة تنمّر مثالية لتشبيهها بأم سيء الحظ بينهم في ذلك اليوم. المحافظ يغضّ الطرف عند المرور أمامها، والجسور يصوغ سؤال المهر للجد بطريقة تقل حياءً مع الوقت، أما المجنون فهو الوحيد الذي رأى شيئًا مختلفًا تمامًا.
كان المجنون يبلغ -على أقل تقدير- ستين عامًا، بشعرٍ غزاه الشيب، ولحيّةٍ كثّة وملامح صارمة لا تليق بشخص غُيّب عقله في أماكن لا يمكن سبر أغوارها. يسير ببطء ويحمل عصاه التي يتوكأ عليها، وينشد ترنيمة -بصوت مرتفع- دون أن يتمكن أحد من فك شفراتها، ودائمًا، دائمًا ينظر إلى الأسفل. لا أحد في القرية يمتلك إجابة قاطعة عن أصوله. يقول البعض تاجرًا فقد كل ممتلكاته، وآخرين يقولون رحل كل أبنائه في مرض أصاب تلك البلاد، وغيرهم أكثر شاعرية يقولون إن السبب فتاة. لكن أيًّا تكون الأسباب فقد اعتاد عليه الأهالي بعد أن ملّوا من محاولة الحديث معه، وتحديدًا بعد أن باءت كل تجاربهم في علاجه بالفشل سواء بإرغامه على شرب زيت الخروع أو كيّه في أماكن معينة أو حتّى بعد ربطه بالأشجار. بعد هذا الاعتياد أصبحوا يحرّصون على أبنائهم بعدم التعرض له أو رمي الحجارة عليه. اعتاد عليه الجميع لدرجة أن صوته أصبح يمثّل اللحن المنفرد بهذه القرية، صوتٌ يألفه المرء مثل المكيف في تفاصيلنا اليومية. كان -في نهاية المطاف- الشاهد الدائم الذي يذكرهم بنعم الله عليهم في أحلك ظروفهم، وباب للأعمال الصالحة الخفية المتمثلة في الماء والطعام، ولا يرجى منه نفع أو يخشى منه أي ضرر.
يمر المجنون أمام الخيّاط بعد أن اعتاد الأهالي على وجود هذه الفاتنة المتيبسة، والتي تغيّر رداءها من وقت إلى آخر. صادف ذلك اليوم جلبابًا سماويًا تتصاعد من الأسفل جذوع أشجار رقيقة تحمل ورودًا بيضاء. كان الجد يحرسها جلوسًا على كرسي بجانب العتبة الخشبية. يتوقف المجنون أمامها، وللمرة الأولى يرفع بصره، يقترب أكثر، والغناء هو الغناء، يمد يده اليمنى في محاولة لمسها. يصرخ عليه الجد لمنعه من الاقتراب، يتراجع المجنون عدة خطوات، وكأنه يستجمع قوة ما، ويصرخ وهو يشير إلى المحل. كان المارة يحرقون بنظراتهم الجد، نظرات تُسائل الرأفة فيه، ظل المجنون يصرخ ويصرخ إلى أن سئم الجد من المقاومة. يقف ويطلب منه الاقتراب، وما إن اقترب حتّى توقف عن الغناء، وعيونه متسمّرة على المانيكان، يمد يده اليمنى مجددًا، ويمسك بأطراف الجلباب، وبدأ يهمس بصوت منخفض.
في لحظات الصفاء والرضا، يحكي الجد على أنه خاض العديد من المعارك، وقطعًا هزم العديد من النجلاوات، وتغلب على اللصوص وقطّاع الطرق، ويقسم أنه لم يغمض له جفنًا واحدًا أمام كل هذه المغامرات والمخاطر، ولكنه لم يشعر مسبقًا بالرعب الحاد الذي هزّ آخر نقطة في عموده الفقري مثلما حاول في ذلك الصباح عندما مال إلى المجنون ليتنصت على كلماته، يقول إنه عندما حاولت الاقتراب أكثر، التفت إليه المجنون وظل صامتًا يحدّق فيه، وكفّه القابضة على المانيكان، واليد الأخرى تعتصر العصا.
بعد أن تراجع الجد، وقتل فضوله تمامًا، يكمل المجنون تمتماته للمانيكان، وبعد لحظات يتركها، ويذهب مسرعًا أو لنقل إن حاول حمل قدميه بسرعة أكبر. بعد مسافة يراها المُشاهد ثلاث خطوات، يلتفت المجنون إلى المانيكان، ثلاث خطوات والتفاته، وهكذا إلى أن وصل إلى المنعطف، ظل شاخصًا هناك، وكأنه يخشى رحيلها. فهم الجد أنه وعد بالعودة في أقرب وقت ممكن، وظل ينتظر وهو يعلم أنه سيعود في أي لحظة. تأخر المجنون، وظهر بعد مرور ساعتين تقريبًا، يحمل زهورًا بيضاء اختطفت من حدائق على أطراف القرية. كان يحاول الإسراع للوصول إليها، وصوته خرج عن الترنيمات المألوفة، كان الأمر أقرب إلى الصراخ منه إلى الغناء، يتوقف المارة لهذا المشهد غير المعتاد، للمرة الأولى يرون المجنون بهذا الاهتياج، يجر الخطو بكل ما استطاع، ويحمل زهورًا بيضاء، والعصا تخلّف ضربات دقيقة متتابعة على الأرض، قال البعض لاحقًا إنها المرة الوحيدة التي شاهدوا ابتسامة المجنون. قبل الاقتراب بمسافة قليلة أمام المانيكان، يسقط المجنون مغشيًا عليه، ليتناثر الورد الأبيض وكأنه تساقط من الجلباب ذاته!
بعد رحيل المجنون، تشتعل القرية على المانيكان وصاحبها، وبدأت تسري الإشاعات بأن عيونها أصبحت مختلفة بعد هذه الحادثة. الجد يعلن بدافع الكبرياء عدم تغيير الجلباب لجعلها القطعة الفنية التي تزيّن القرية، لم يتنازل يومًا عن الجلوس بجانبها، ورؤية الأثر التي تخلفه في المارة أو في زوار المحل الذين يدخلون سريعًا دون النظر إليها، وتعلو محياه ابتسامة يفهمها العابر على أن يجلس بجانب منجز حياته، الرداء الذي فتن المجنون.
على فراش الموت، في تلك الأمسية البعيدة، سيعترف الجد أن عدم استبدال زي المانيكان لم يكن بسبب حكاية المجنون ولا ترهاته، وليست شجاعة في تحدّيه لأهل القرية بأكملها، ولكن لأنه في فجر اليوم التالي عندما قرر استبدال الجلباب، العملية التي مارسها عشرات المرات، ويعرف جميع الأبعاد بأدق التفاصيل، وجد أن المانيكان مدّت يداها سبعة سنتيمترات إلى الأمام عن اليوم السابق!