غرفة أبي


قصة قصيرة

أبي لم يعد يتحدث معي، لا أعلم متى بدأ الأمر، لكنه لم يتوقف يومًا عن إلقاء الأوامر: نظّف، رتّب، اقرأ، وتوقف تمامًا عن طلب إعداد الطعام. الطعام الذي كنت أعدّه بناء على وصفات مكتوبة في أوراق متهالكة أعطاني إياها، ولكن في كل مرة يتركه يبرد دون أن يلمسه. يظل ساكنًا يتأمل الطعام، وينقّل بصره بيني وبين الأطباق، وعند سؤاله عن السبب يخبرني بأنه لم يعد يشعر بالجوع، ويطلب مني تنظيفها، ويذهب إلى غرفته ويظل هناك إلى اليوم التالي.

منزلنا يضم غرفتين وصالة يطل عليها المطبخ، غرفة أبي مغلقة على الدوام، وفي غرفتي سرير ونافذة مُظللة باللون الأسود، ولمبة صفراء لا تنطفئ أبدًا. باب غرفتي يقابل باب غرفة أبي، الباب الذي لا أتذكر أنني تجاوزته يومًا، والممر الذي يقسم البابين ينتهي بمكتبة صغيرة، وعلى يسارها ثلاث قطع من الكنب وبجانبهم طاولة للطعام، وخلفها تمامًا المطبخ الذي يضم الثلاجة والمايكرويف وبعض الأطباق والمغسلة. على الركن توجد طاولة تحمل زهورًا لاحظت أنها لا تكبر ولا تتغير مهما وضعت لها الماء، وعلى يمينها صورة لا أتذكر متى أخذناها. يقول أبي إن هذه أمي تتلمس شعري بابتسامة واسعة، ولكن لم أجرؤ على إخباره أنني لا أتذكر الصورة، ولا أمي، ولا حتّى هذه الالتقاطة من حياتي.

منذ أن وعيت على الدنيا وأنا محميٌ في هذا المنزل، أبي يخشى علي من الخروج، وأحب فكرة أنه يريدني أن أتهيأ بشكل جيّد لمواجهة عالم البالغين، وكل ما يتطلبه الأمر هو مضي ما يكفي من الوقت لأصبح أذكى وأقوى في التعامل مع الغرباء، والتمكن من التواصل معهم. كان يسمح لي بالاطلاع من نافذة الصالة، النافذة المغلقة بإحكام، ليطلب مني وصف مشهد الغروب، وكنت أنوّع إجاباتي بناءً على كتاب أعطاني إياه منذ مدة طويلة، إجاباتي غالبًا لا تخرج عن: “لون برتقالي ساحر/لون أصفر حلو/لون بنفسجي جميل.”، ويبتسم لي في كل مرة دون أن يعقّب على ذلك.

في إحدى المرات لاحظت وجود أطفال يلعبون في الساحة الجانبية، والتفت على أبي الذي كان يحمل كتابًا على الكنبة الطويلة في الصالة، وسألته عن وجود الأطفال بالخارج. قام مسرعًا وأغلق النافذة، وأخبرني أن هذا إهمال مزعج من الآخرين لتركهم الأطفال هناك، كل ما علي فعله الآن هو التركيز في المهام اليومية، وقراءة الكتب التي يحضرها معه التي تمنح الألوان مسمياتها، والأرقام شكلها المتخيّل، وكلمات تصف روائح الزهور والعناية بها، وتعابير للوجه تصف المشاعر. رأيت تعبير الخوف على أبي في ذلك اليوم عندما سألته عن الأطفال، وهكذا قرر عدم فتح النافذة أبدًا.

تتمثّل مهامي اليومية في الاستيقاظ صباحًا، وترتيب السرير، وتنظيف المنزل بالكامل، ما عدا غرفة أبي، أضع القليل من الماء للزهور على الطاولة، وألتقط كتابًا من الرف. يعود أبي من العمل، ويطلب مني الجلوس بجانبه ويسألني عن قراءة اليوم. أخبرته عن كائنات تسير بأربع أقدام، ويختلف حجم بعضها عن البعض، هناك الطيّب منها والآخر شرير، ويؤكد أن معظم ما في الخارج من النوع الشرير، يقولها وهو يبتسم ابتسامة لطيفة. يذهب مجددًا إلى غرفته، ويغلق الباب وأظل أراجع الكتاب، وأحفظ كل تفاصيله كي أتمكّن من إبهاره مرة أخرى في اليوم التالي، ويمنحني معلومات إضافية عن العالم الخارجي.

قلت إنني لاحظت أبي لا يتحدث معي كما في السابق، في الأيام القليلة الماضية، أصبح يعود من العمل، ويذهب بشكل مباشر إلى غرفته، لا أعلم ما الذي أصابه. حاولت التحدث معه، ولكنه تجاهلني تمامًا، وأنا بدوري تعرفت على الحيوانات، والنباتات، والأرقام، وألوان جديدة، ومنازل هائلة متراصفة يسمونها مدنًا. أنتظر الفرصة كي يسألني عن أيٍ منها، وسأتأكد تمامًا أنني لن أخيّب آماله.

استيقظت في صباح أحد الأيام، وبعد ترتيب السرير، فتحت باب الغرفة وأتفاجأ بأن الباب المقابل مفتوح، ناديت أبي، ولكن بدا لي أنه ليس في المنزل. أكملت مهام اليوم، وجلست في الصالة، واستوعبت -للمرة الأولى- أنه لا يوجد شيء يمكنني القيام به. كل الكتب على الرف حفظتها جيدًا. ذهبت إلى النافذة، وجدتها مغلقة كالعادة، ولم تغب الشمس بعد لمحاولة النوم مجددًا. كنت أخشى من ردة فعل أبي لو علم أنني تجرأت على الدخول إلى غرفته، ولكن خطر لي الاطلاع عليها دون لمس أي شيء، وقدّرت أنه ما زال الوقت مبكرًا على عودته.

دفعت باب غرفته على مهل، أمامي سرير يشبه سريري إلى حدٍ ما، ويقابله أرفف هائلة مغلقة، لم أتجرأ على فتحها، وباب ناحية اليمين لم أفتحه أيضًا، ولكن بجانب السرير هناك نافذة غريبة دائرية، كأنها صورة تحمل أجزاء من الغرفة، اقتربت، ووجدت أنها تستبدل صورتها، وفي لحظة ظهر الطفل في صورة الصالة، لم يكن هو تمامًا، ولكن يشبهه إلى حدٍ كبير. يُطل علي الطفل، وعندما تحركت في الغرفة، يتحرك معي، أرفع الكف، يرفع الأخرى، وكأنه يحاكي كل حركة أقوم بها. تحدثت معه، ولكنه حرّك شفتيه دون أن أسمعه، فقدّرت أنني لو اقتربت منه سيقترب، ولكنني خشيت ردّ فعله إن اقترب أكثر. هناك طاولة صغيرة، تحمل كتابًا ضخمًا، وعليها صورة الطفل في الخارج، صورة الطفل الحبيس في النافذة الدائرية، وأسفلها عبارة: “الدليل التشغيلي للنموذج الآلي رقم 626”.

عدت إلى الصالة بعد أن ودّعت الطفل هناك، وأغلقت باب الغرفة، وجلست هناك أنتظر عودة أبي، وأتمنى أن يتحدث معي هذه المرة لأخبره عن كل المدن، والزهور، والحيوانات، والأرقام، والألوان، وسأحاول قدر الإمكان التحدث عن صديقي الجديد.


أضف تعليق