مؤمن تمامًا أن الغباء قرار شخصي.
قلت لبعض الأصدقاء عن شعوري أحيانًا بأنني مغناطيس للأغبياء، ومرد ذلك على الأرجح أن فضولي في معرفة المزيد تجعل الآخر يكمل حديثه بلا انقطاع في محاولة لفهم نظرته للأمور. أعرف الكذاب وأقصى ما يمكن أن يصل إليه، والمتكبر ونهايتهم المشتركة في القاع الذهني الذي ليس له قرار، وبعض مدربي الحياة وترويج الجنون، والقلقين في سعيهم الدؤوب للسيطرة على الحياة، وعرفت المؤمنين كليًا بوجود حياة سابقة، وأننا امتدادات لتلك الحياة، ليس من منطلق فلسفة شرق آسيوية، ولا من منظور نيتشه في العود الأبدي، بل من ناحية “إحساس”، وآخرين غيرهم يرون بأن شخصياتنا تؤطّر بشكل حتمي بسبب نجم ميّت يبتعد مئات ملايين الكيلومترات، وبعد مدة توقف عن التقاطع مع هؤلاء، لأسباب الحياة ولقمة العيش، أصدم بشخص يحاول إقناعي بطاقة الجذب، وأن كتاب السر، الكتاب الذي أرسى قواعد هذه الفكرة، غيّر حياته للأبد.
أخبرني صديق من أيام غابرة، أنه يشعر بأنه واجبه الأخلاقي يحتّم عليه التدخل في أفكار الآخرين، وشبّه الأمر بأنهم على متن قطار مسرع، سيصطدم في جبل أو جدار أو حاجز، ويرى أن مد اليدين لإيقافه، لم أخبره: “خف علينا يا سبايدرمان”، ولكن أتذكر أنني عبّرت عن عدم اهتمامي بقطارات الآخرين، وسأجعل هذه المهمة التي يراها نبيلة لشخص آخر لأنه -في نهاية المطاف- كل إنسان يحب أن تُقبل أفكاره، ويشعر أن هناك مستمعًا مهتمًا بما يطرحه، ويبدو لي أن التأسيس لفكرة مغناطيس الأغبياء أتت من هذه الفكرة تحديدًا. اعترف -بشكل واضح- أنني أُسمع الناس ما يحبون سماعه، وأنصت إليهم كمريد ينهل من هذه المعرفة العظيمة. لكن اليوم، أشعر أن نفَسي أصبح أقل، ولم يعد الأمر ممتعًا كما كان، أصبح الاستماع لهذه الأفكار -على مضض- لمجرد تأثيث تدوينة عابرة سيقرؤها على الأكثر ستة أشخاص، وليس من دواعي اللطف الفائض عن الحاجة. قلت إن النفَس باتَ أقلّ من الماضي، وفكرة إيقاف القطار عادت تلوح في الأفق.
لنسميه: أبو بخيت.
من اللقاء الأول معه ستخرج غالبًا بنتيجة حتمية وانطباع ملتبس. النتيجة الحتمية أنك ستدرك فورًا أنك أمام شخص سيجعلك تشعر بالحرج نيابة عنه، وهذا الحرج من تصرفات الأغبياء نتيجة تعاطف من هول الموقف. على سبيل المثال، يمر عليك مقطع ينحني أحدهم أمام أخرى ويقدم لها خاتم الزواج في مكان عام، وفي اللحظة التي تتقافز مكانها ستشعر بعاطفة غريبة وربما داهمتك العبرة، وفي المقابل عندما ترفض الفتاة ستشعر بالحرج بدلًا من الأحمق الذي قرر خلق مفاجأة في بلاد بعيدة. أتخيّل منبع هذه المشاعر أننا كائنات عاطفية مهما ادعينا عكس ذلك، المهم تصرفات الأغبياء تجعلنا نشعر بالحرج لأن ذلك الشيء بداخلنا يتفاعل بطريقةٍ ما، وبالتالي، نرغب في دفن رؤوسنا أو تبلعنا الأرض مبكرًا.
أبو بخيت من النوع الذي سيكتّف يديك، ويثبّت رأسك، ويقتل أي محاولة للهروب، وكأنه يستميت لنقل هذا الشعور إليك بكل إخلاص وصدق.
أما عن الانطباع الملتبس فهو إما أن تراه التجلّي الأمثل للآمال في هذه الحياة أو النموذج الذي ما ينفك يذكرك بأن الحياة غير عادلة. أتصوّر أحيانًا أن نظرتنا للحياة تُحددها صيغة السؤال أو التساؤل، وأبو بخيت يختبر هذا التصوّر بطريقة مدهشة، لأنه في معظم الأحيان إن كنت في حالة الصفاء والرضاء، تساؤلاتك تنتهي إلى النظرة الوردية وأن مرد الأشياء تزين، وفي حالة الإحباط أو الامتعاض ستسأل عن المعنى وجدوى الأشياء، ويمضي العمر بينهما.
في وضع أبو بخيت أيًّا تكون حالتك، سيختلط الحابل بالنابل، وتصبح على تساؤل إذا هذا الرجل وصل، لماذا لا أصل؟ وتمسي على تساؤل كيف يمكن لهذا أن يصل؟
يقرر كسر الجليد في مكان ما، ويعبّر عن صعوبة إيجاد موقف للسيارة. وفي لحظة هيتشكوكية، يشاركنا أنه يعرف أحدهم كلما ذهب إلى “مشوار” يصرح لنفسه أو للآخرين معه أنه موقفه ينتظره، وفعلًا يجد الموقف أمام الوجهة المحددة تمامًا، في كل مرة يفكر بالأمر، ويؤمن بها، يجد الموقف ينتظره مهما كان انكباب الناس والسيارات عليه، سيجده دون أدنى مجهود أو طواف حول المكان. علقنا بطريقة تخفف من حرجنا بالأمر، ولم يسأله أحدًا متى يقرر هذا أو يؤمن أو يركز طاقته لتخفيف زحمة الرياض. ينتقل أبو بخيت للترويج لكتاب السر، وفكرة طاقة الجذب، ويقينًا وصلوا إلى النتيجة الحتمية السابقة، والانطباع الملتبس بشكل مباشر، ولم ينقذنا إلّا دخول الشخص الذي كنا ننتظره.
بدأ الاجتماع بعد اكتمال العدد من الطرف المقابل، ولأنني شعرت أن كسر الجليد هذا رفع رايات الإنذار المبكرة، بدأت بشكل مباشر في توضيح النطاق وغيره من التفاصيل غير المهمة. استوعبت في المنتصف أننا لم نعرّف بأنفسنا للشخص الأخير، توقفت واعتذرت أننا بدأنا بشكل مباشر، والتفت لا إراديًا إلى الآخرين، وقلت: “الظاهر الطاقة ما جذبت التعارف.”، ضحكوا، وعرفت أن الجليد ذاب بشكل ممتاز، ولكن لم أعلم بأنني فتحت أبواب الجحيم.
في اليوم التالي يسألني أبو بخيت عن مشكلتي مع طاقة الجذب، ولأن النفَس بات قصيرًا، والقطارات يجب أن تتوقف، والشعور بالحرج فاض عن حده، أخبرته أن الفكرة سخيفة جدًا، ومؤمن أن السعي سيجعلك تصلك. وجدته يغرقني في بحر ديني بحت مليء بالأحاديث النبوية، ويذكر العديد من المواقف الشخصية التي تغلّفها فكرة التخاطر، لم يقل التخاطر بل “تيلي باثي”، وإيمانه اليوم بأن نجاح المنظومات التي عمل فيها سابقًا لأنه وجوده وطاقته الجذّابة والطاغية هي التي تضمن لهم النجاح، ويسألني بشكل صريح: “تتوقع كل هذي صدفة.”، يقول وهو يكرر اسمي، من باب المودة والألفة وياخي اقتنع، ولو آمنت في تلك اللحظة أو أي وقت، الآن على سبيل المثال فجر الخميس، لو آمنت أن مندوب جاهز سيمنحني خمسة ملايين ريال، آمنت بشكل حقيقي، فهذا سيحدث حتمًا بناءً على فكرة أبو بخيت.
يسألني لماذا اليهود أغنى أهل الأرض؟ وبغض النظر عن الترابط والدعم، والفردوس الأرضي، وإحكام القبضة على الإعلام، وصناعة الإباحية، يكشف لي السر، ويقول لديهم علم واسع بالنجوم، ويعلم الواحد منهم في أي وقت وأي تاريخ يستثمر ومتى يتوقف. ويختمها بمشاركة أخرى للتأكيد على الفكرة، يقول إنه يعرف أحدهم كان دخله الشهري لا يتجاوز ألفين ريال، وقرر أن يفكر، يفكر فقط، أن سيصل إلى 100 ألف ريال خلال خمس سنوات، وفعلًا حدث الأمر بعد تعرفه على كتاب السر، وكنت منفعلًا أكثر من اللازم لأسأله إذا ما كان صديقه هذا يعرف حكاية هايزنبرغ!
بعد مضيعة الوقت، وتبديل الأسماء والالتفات حولها، بين السعي والقدر والطاقة والنية، والقليل من التخاطر والتنجيم والشعوذة المغلقة باللمسات النبوية، أخبرته أنه لا يمكنني مجادلته وأنا لست على اطّلاع بالأفكار التي تروجها جماعة الجذب هذه، لم يتوقف، وأخبرني أن كل ما أحتاجه هو مشاهدة فيلم السر الذي شاركني رابطه على الواتساب، الذي أقسم أنه غيّر حياته، وحياة العديدين حوله، وضّح له ولهم فكرة الإيمان الحقيقي بالأشياء، الأشياء التي غالبًا ما تكون مادية بحتة أو تساعدنا في إيجاد مواقف للسيارات وقت الحاجة لينتهي الحوار بـ:
-الوليد لازم تفتّح مخك، ترى كنت زيّك، أحب أعاند، وش برجك أحسّك زيي؟
-وش تتوقع؟
-متأكد إنه نفس برجي، قِل
-العذراء
-على طرف لساني، ما علينا، أنا برج الثور نحب العناد
طرف اللسان هي الإجابة التي يشترك فيها أصحاب الأبراج عند العجز عن تخمين برجك!
المهم تكاملت الصورة، أبو بخيت ينتمي إلى الثور، والفيديو لن أشاهده، ويظل التساؤل المُلح: ماذا لو كان مغناطيس الغباء شكلًا من أشكال طاقة الجذب!