قصة قصيرة
يقف في محطة كافد، بانتظار القطار القادم بعد دقيقتين، ويتساءل بارتياح: “ما الذي سيحدث للعالم لو قفزت أمامه مباشرة؟”.
بدأ معه هذا النوع من التساؤلات في مراحل مبكرة، مع معلم إحدى المراحل الابتدائية في السويدي الغربي لم يره يومًا مبتسمًا، ومهما فتّش في الذاكرة، فالصورة الوحيدة التي يذكرها عنه، الركض في الساحة الترابية، نصف الساق المشعرة ظاهرة، ومعالم السُرّة مطبوعة على الثوب، واليد اليسرى تثبّت الشماغ حتى لا يفلت من مكانه، والأخرى تحمل العصا البرتقالية يطارد بها الطلاب ليعودوا بأسرع وقت ممكن إلى صفوفهم بعد انقضاء “الفسحة”. سيعلم بعد سنوات طويلة أن ما كان ينقص ذلك الرجل امرأة في حياته، ولكن حينها هرب مع الهاربين، وظل طوال الليل يفكّر ما هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث لو توقّف عن الركض، وواجه المعلم، وربما رمى عليه “الزبيرية”، وبالطبع يكمل الهرب!
كانت هذه مسرّته الصغيرة، تخيّل الاحتمالات غير المطروقة!
ظلّت هذه الأسئلة معه. ذهب مع الأصدقاء في رحلة إلى منطقة جبلية، وامتدح أحدهم الطبيعة الخلّابة، وآخر وهو يضحك: “ناقصنا الوجه الحسن.”، وغيرهم ناقشوا أمر الغداء: “مدفون ولا حنيذ؟”، ونراه يقف هناك عند السفح، يتلقى تعليقات الآخرين عن هناء من يشغل باله، لا يسمعهم، يفكر في المسارات الكثيرة الممكنة للقفز من أعلى الجبل. أحد المخططات الممكنة، القفز على تلك الصخرة المسطحة، ومن ثم التدحرج في المساحة الضيقة بين الصخرتين، ويمكن بقليل من الحظ التمسك بجذع الشجرة، ولو فلت منها سيتلقاه الجذع الذي يليه، ثلاث قفزات طويلة، وبعدها يعيد النمط تقريبًا إلى أن يصل إلى قلب الوادي.
ولم يكن الأمر يتطلب رحلة مع الأصدقاء أو الوقوف على سفح جبل هائل كي يبتعد كثيرًا بالخيال، كان يعود كل يوم إلى المنزل بأعصاب تالفة، يتخيّل في الزحام لو نزل بهراوة يلوّح بها للمستعجلين الغائبة عنهم البديهية التي تنص على أن الالتحام في السيارات أو الصراخ بالبوق لن يحدث ثقب لا في المكان ولا الزمان، ويفكّر من يدري ربما ثقب خفيف على الرأس بالهراوة، قد يجعلهم يدركون ذلك. اليوم ضرب رب أسرة، واعتذر لأسرته الكريمة، وغدًا سيقاوم فارع الطول، وأيام أخرى يُضرب بها، وفي كل مرة يلملم شتات نفسه في السيارة، ويقرر المشاركة في الكرنفال الضوضائي المزعج.
لم يعد غريبًا عليه مواجهة الجميع، أصبح يقف أمام خطيب الجمعة، ويصرخ: “هذا وعظ سخيف وما يشبه هموم اليوم.”، وفي اجتماع مع مدير القسم، يعلّق بكل هدوء: “يبن الحلال كل تبن بس.”، ويعترف -لدواعي الكبرياء- لمن كان أقرب الناس إليه: “معرفتك كان خطأً فادحًا!”. في الأماكن العامة، يختبر العبارة المبتذلة: “عيونك فتّانة.. هل أبواب السماء مفتوحة اليوم؟” متصورًا أن الإجابة ستتيح له التعليق الجاهز عن الملاك الذي يمشي على الأرض. وإذا كان مزاجه عكرًا نراه يغرق الأطفال في البحيرة الاصطناعية ليحظى بلحظة صفاء أو يذهب مباشرة إلى الخمسيني المتشبب صاحب الغترة البيضاء، وحذاء سنيكرز، وسماعات الآيفون المعلقة بين الشفة السفلى والذقن، ليقول بابتسامة باردة: “غالبًا القطار فاتك!”. لم يكن مدفوعًا بالغضب أو الكراهية، بل رغبة تدفعه دفعًا لأن يقتحم كل تلك الاحتمالات البعيدة التي أصبحت مع مرور الوقت تجعل حياته محتملة أكثر. لنقل اقتنع تمامًا بأن الأفكار تمنحه الانتصارات التي لا معنى لها، وتخلق له الانفعالات التي يرغب بها، تعطيه الجسارة التي تنقصه، والثقة التي يطمح إليها، وتنفّس عن إحباطاته ويأسه.
بدأت الأمور تختلط عليه، أصبح يُلاحظ أنه يميل إلى الصمت، أحيانًا يبتسم في مكان لا يليق وأخرى يفقد التركيز في لحظات مهمة، كان تند عنه ضربة للطاولة في ردة فعل سريعة، وسمعه البعض يضحك وآخرين يشتم دون أسباب واضحة كالهاتف أو الحديث مع الآخرين، يضحك ويشتم وهو يتأمل من نافذة المكتب أو عندما يسير وحيدًا في مكان عام.
تعلن المدينة عن افتتاح الميترو، وبعد أسابيع يقرر تجربته لرؤية المدينة التي لا يعرف إذا ما كان أهلها بالغوا في المديح عن وجهها المختلف، قرأ لأحدهم أن الرياض باتت تتمايل كأنثى لعوب! يصل إلى محطة كافد بمعمار الكثبان الرملية الفاتنة، يقف أمام المسار، بانتظار القطار القادم بعد دقيقتين، ويتساءل بارتياح: “ما الذي سيحدث للعالم لو قفزت أمامه مباشرة؟”.
يرفع بصره لمقاعد الانتظار المقابلة، وتلفت انتباهه فتاة بملامحها الحادة، وعباءتها المطرّزة بنقش السدو، تترقب قدوم القطار المعاكس، كان الترقب أكثر مجرد لحظة انتظار معتادة، كانت ساهمة تمامًا. يتثاقل الزمن، ويشعر أنه يتعرف إلى ابنة عم بعيدة، تقطعت بهم الأسباب، هذا الانغماس في فكرة ما، يعرفه جيدًا، ترفع بصرها إليه، وتعلو محياها ابتسامة، تبقت دقيقة على وصول القطار، تقف الفتاة وتقترب من المسار، يقرر حسم الأمر، فلتُكسر حلقة الخيال، ينتقل مباشرة إلى الفعل، يرفع كفًا، ويتلقى إيماءة، يدرك أخيرًا أنه ليس الوحيد في هذا العالم المُثقل بأفكاره التي تجتاحه في كل مكان، الغريب أخو الغريب، عشر ثوان قبل وصول القطار، يلوّح إليها بيده: “تعالِ تجمعنا قهوة عابرة”، تتسع ابتسامتها أكثر، من قال إن الخيال يجب أن يظل خيالًا! سيحكي لها عن السؤال الذي ألحّ عليه، وستحكي عما يشغل بالها في تلك اللحظة. فلتبدأ نزوة الحكي المباركة. يؤشّر بيده مرّة أخرى، فاز باللذات الجسور! تبقت خمس ثوان ويقطع تواصلهما القطار، صانع المعجزات وهادم الملذّات، ثلاث ثوان، تحرك رأسها بالموافقة، تبقت ثانية، هل هذه دمعة؟ تقفز الفتاة أمام القطار المسرع!