قصة قصيرة
كان يضع عشرة منبهات كفيلة بإيقاظ الموتى من سباتهم، لم ينهض مع أيٍّ منها في صباح هذا اليوم الصافي من منتصف يناير، أحد الصباحات التي تحرّض الحنين.
سألَته في يوم الأيام، بعد أن شارك هذه المعلومة الهامشية عنه، ويعرف أن السيل السردي بينهما لم يكن يتطلب أكثر من هذا، القليل من التفاهة، والمعلومات غير المهمة، والتعبير عن الامتعاض من وقت إلى آخر، ومحاولات سخيفة لسرقة ضحكة من هنا أو هناك، سألَته: “لماذا تُحب تعذيب نفسك!”، كان يمكنه الإجابة بشكل مباشرة، ويعلم أنها ستجد طريقتها في مواصلة جذوة الحديث، قرر خطف الضحكة العابرة، ويتذكر أنه ضمّن طائرةٌ ما ومطبات هوائية، ولوى الأمر إلى أن اتّسق بشكلٍ ما مع منبهاته العشرة، وكسب الضحكة بغض النظر عن تعقيباتها بالسُخف في ردّه.
تركن السيارة بشكل طولي في المواقف الخاصة بالموظفين بسلاسة، السلاسة التي تمكنت منها بعد محاولات عديدة في مدرسة القيادة، وفرحت بها فرحة الحصول على شهادة جامعية. في طريقها إلى المبنى الإداري للمستشفى، تمر طائرة بعيدة تخلّف ذلك الأثر الأبيض خلفها، تلك التي تُشعرنا بأنها تطرّز قبة السماء، تبتسم، ويظهر سؤاله البعيد، الأكثر بعدًا من أولئك المعلقين في الهواء: “كيف حال العمل؟”. تتذكر أن ذلك اليوم يصادف اليوم الذي اكتشفت فيه أن الموتى تتغيّر حالتهم في النظام الطبي إلى منتهي الصلاحية، وما زالت إلى صباح هذا اليوم تراهم، كما علّق حينها، علبة تونة تأخّر موعد تناولها.
يصل إلى المكتب متأخرًا، لم يسعفه الوقت لتناول الفطيرة المعتادة كل صباح من بوفية الذوق. يطلب من العامل كوب شاي مع النعناع، ويسأله إذا ما تبقى شيء من الشابورة التي أحضرها قبل مدة. يعود العامل بعد دقائق، يضع الكوب على الطاولة، ويعتذر: “Sorry Sir, it’s expired”. يضحك، ويفكّر من يدري ربما الإنسان صندوق شابورة، وليس علبة تونة. يقتحم مديره القلِق الذي يغيّر مسمى الإدارة العليا بحسب حالته النفسية، واليوم اختار المدير الكبير. يؤكد عليه للمرة السابعة عشرة أنه يريد رؤية التقرير قبل نهاية اليوم. ينجز الأمر في منتصف اليوم، ويرسله إلى المزعج، ويذيّل الرسالة بتأكيد جاهزيته للعرض المباشر على المدير الكبير. تسأله: “كيف تشوف نفسك في الأربعين؟”، لم يغيّر إجابته، الشيب يغزو ما تبقى من الشعر، وكرشة صغيرة متوارية مع بعض المخاوف بأن يتحوّل إلى أسطوانة غاز، والتأكيد على أنه مدير كبير في مكانٍ ما.
في منتصف اليوم، يمر المشرف العام وهو يحمل معه الكرشة الأسطوانية، ويصاحبهم الموظف الجديد، يعرّفه بالأقسام والأشخاص. كانت تحب تأمل دهشة البدايات عند الآخرين، تتذكر نفسها دائمًا. كانت الجولة التعريفية تعبر من مكتبها، وكإجراء ترحيبي آليّ مارسته عشرات المرات، تعبّر عن أمنياتها بالتوفيق للرقم الإضافي مع الفريق، ولكن فلتت منها بشكل سريع: “تطوّرت المنفوحة، كيف الحماس!”. لم يسمعوا من الجملة إلا الشق الثاني منها، يجيب المتحمس بشيء ما ويمضي. تتداعى على الكرسي، وتلعن شكله الغائب على ظرافته اللامتناهية. كانت عند قدوم الموظفين الجدد تحاول تخمين المدة الزمنية التي ستألف فيها وجوههم بالكامل بحيث لا يصبح غريبًا أو طارئًا، وكذلك عن الوقت الذي سيعتاد فيه المكان، شيئًا أقرب إلى قطتها، في الأيام القليلة القادمة، سيتحرك الوافد ويقضي حاجته في كل الزوايا. لم ير حصولها على الوظيفة أكثر من مجرّد تطوّرًا لحي شعبي، وكانت بالسر تحتفي بهذا التعليق أكثر من كل الهدايا والورود التي وصلتها، ولكنّه الدلال. قال لها مرّة إن كلماتنا هي التي تبقى وليست مشاعرنا. البدايات مربكة أحيانًا، أخبرته أن هذا الطريق سلكه المئات، وهذه الفرحة اختبرها كل طلاب الدفعة تقريبًا. نست اليوم وضع التخمين الدقيق للموظف الجديد، وتساءلت لماذا كانت ترتبك معه في التعبير عن الفرح!
في نهاية اليوم، يقتحم مديره المكتب مرة أخرى، بعد أن أخذ الإفادة من الإدارة العليا، يغلق خلفه الباب، ويغرقه بالمديح المبالغ فيه. كان لديه توقيت داخلي يكتفي فيه من الاحتفاء بأداء عمله، منتصف الأسبوع الثالث من بداية أي وظيفة جديدة. لا تنقصه الثقة في نفسه، ولم يكن التصفيق نبيذه الذي ينتشي به. اعتاد المديح، بل ملّه وانزعج منه، لم يكن من أولئك الذين يحتاجون للتأكيد مرتين كل أسبوع كوقود يرفع سقف آمالهم وتوقعاتهم عن أنفسهم وعن سمعتهم لدى الآخرين. يبدأ في لملمة أغراضه للعودة إلى المنزل، يمر عليه أحد الزملاء يذكره بموعد الشاي والتفاحتين مساءً للسواليف الخاثرة، وكالعادة يقدّم أحد الاعتذارات الجاهزة. تسأله: “كيف نحصل على أصدقاء جدد؟”، ويعرف أن رغبته في الحصول على أصدقاء جدد ليست متماسكة، لأنها تختفي تمامًا عند هذا النوع من الدعوات المباشرة، يتذكّر أنّه نظّر للأمر بأن الأصدقاء يُصنعون في سن معيّن، وبعدها كل من نتقاطع معهم زملاء بشكل أو بآخر، والأكيد أن الأصدقاء لا يمكن الحصول عليهم من العمل، ويتساءل لماذا يرحل من سميناهم يومًا أصدقاء!
تناديها زميلة قبل وصولها إلى السيارة، تسأل عنها وعن أحوالها بعد أن تعبّر عن افتقاد الحديث معها. جمعتهما الجولة التعريفية قبل خمس سنوات، وتفترض الأخرى أن بينهما شيئًا مشتركًا، لذلك تراها صديقة الأيام الأولى. تصرّح بأن أحد المراجعين ابتسم لها، وعبّر عن حلاوة عينيها، وهي تحاول مقاومة النظر إلى ساعتها. تصل إلى السيارة بعد تعبيرها عن دهشة مصطنعة للزميلة، وتأكيدها على أن هاتين العينان لا يليق بها إلا وصف الحلاوة، وتفكّر أنه يجدر بالإنسان أن يسمى حرباء بدلًا من التونة، حرباء لا يتغيّر لونها في نهاية المطاف. يسألها بعد التأكيد على أن الجميع يستحيلون معارف بحكم الضرورة بعد سن معيّن: “لكن ماذا نصنع بالذين يروننا أصدقاءً، ونراهم عابري سبيل؟”. لم تتغيّر إجابتها، اللطف مع التحفظ غير المفرط على آرائنا الحقيقية واهتماماتنا الخاصة. وتفكر كيف أصبحت أحد عابري السبيل في حياته!
في المساء، بعد نهاية الروتين المنزلي، يتقلبان في دهاليز الذاكرة. هو يتمدد على الجانب الأيسر من الفراش، وهي تتوسّد الجهة اليمنى. يحمل هاتفه، وتحمل هاتفها. يترددان طويلًا، ولكن يحسمان الأمر في اللحظة نفسها. يضع منبه واحد، وتقرر وضع عشرة منبهات!