مأوى للطفل الداخلي


بيلا باكستر

بالعادة تتحرك السيقان دلالة على التوتر، ولكن أعرفه جيدًا، هذه الحركة تعني أنه في أوج الإثارة والترقب للمشاركة. أعرف يقينًا أن مداخلته ستبدأ بطريقة درامية، ويمكنه للمرة العاشرة تقريبًا تأريخ حياته إلى مرحلة ما قبل هذا الكتاب، وما بعده، وسيأخذنا من مدخل بعيد كل البُعد وخارج عن السياق تمامًا، ويحدث شيئًا ما في المنتصف، لأنني غالبًا أفقد التركيز في هذه المرحلة، وأجد نفسي أتعرف إلى عنوان الكتاب الذي يحمله بين يديه، وأفكار عامة يمكن تخمينها من العنوان فقط. يُجيد البعض عملية الربط هذه، التمهيد أو السياق الطويل الذي يؤدي إلى الفكرة الرئيسية، وبعضهم لا يخطئ أبدًا في أن يُصيبك بالحموضة عند كل محاولة.

يقول إنه شعر بضغوطات من العمل، وعدد لنا قائمته الأوليّة للدول التي رغب في زيارتها، ووقع اختياره على أبعدها. الآن هو في الطائرة، يضع حقائبه في الدرج أعلى المقعد، بلا أي معاناة، نقطة لصالح فارعي الطول، أراه يسحب الكتاب ببطء لتتمكن جميع الصفوف الخلفية والجموع المنتظرة في الممر لرؤيته يحمل الكتاب، يعتذر للشخص المنتظر خلفه، صاحب قبعة سوداء عليها شعار أديداس، ويقول: “معليش.. العتب على الثقافة”. يجلس على الممر، والمقعد الأوسط فارغًا، وعند النافذة فتاة، يخبرنا أنه غض البصر، ويؤكد أنها جميلة، في محاولة لإضافة لمسة ظريفة على الحكاية. تقلع الطائرة، وفي منتصف الرحلة تقريبًا، تسأله الفتاة إذا كان يشعر بأنه على ما يُرام، يرد دون أن يلتفت، لم نصدقه طبعًا، لم يلتفت لأنه يعجز عن رفع عينيه عن الكتاب، بعد لحظات تسأله المضيفة، وهي تربّت على كتفه إذا ما كان يشعر بأنه على ما يُرام، يغلق الكتاب على مضض، ويرفع رأسه منزعجًا، ويسألها: “لماذا تسألين؟”، تؤشر على المقعد الفارغ، ونكتشف معه أن المناديل المبللة بالدموع تملأ المكان، يرفع يديه إلى وجهه ويجد أن الدموع ظلّت تنهمر دون أن يشعر بها، لا نعرف ما نوع المناديل المستخدمة ولكن يبدو أنها أخف من الهواء. نصل أخيرًا إلى لحظة الحسم، يرفع الكتاب الذي يحمل عنوان: الطفل الذي في داخلك يجب أن يجد منزلاً!

ظل يتحدث عن رحلة ترجمة الكتاب من الألمانية إلى العربية، وخطورته في كشف الكثير من الحقائق، وأننا يجب قراءة كتاب آخر يتحدث عن إنقاذ طفلك الداخلي قبل الاطلاع على هذا، لأن المنزل لا يكفي الحاجة إذا كان طفلك الداخلي يُعاني. أعرف أن السنوات الأولى تؤثر على الحياة بشكل عام، ولكن لا أعرف متى أصبحنا كائنات رخوة بهذا الشكل! هل توجد لذة معينة في ممارسة دور الضحية طوال الوقت؟ جذب الانتباه؟ ربما. يرى أحد الأصدقاء مشاركة هذا النوع من القصص هو من باب المكافآت المؤجلة أكثر من التنفيس العاطفي أو الفكرة الرومانسية في الكشف عن الذات عند الغرباء، القصص التي تحكي عن تصرفات مؤذية أو تصوّرهم ضحايا بشكل أو بآخر، كالبكاء اللاإرادي على ارتفاع ثلاثين ألف قدم، المكافأة التخلص من المسؤولية نوعًا ما، بالإضافة إلى احتمالية إغواء أشخاص مولعين بترميم انكسارات البشر، وربما لفت انتباه الآخرين بأنه ذلك الكائن البريء اللطيف المدجّن الذي لا يخجل ولا يستحي من التصريح بالبكاء في الطائرة.

اطلعت على الكتاب في محاولة لمعرفة الأسباب التي تدعو إلى البكاء، وجدت في الفهرس تأمّل البقر، وتخبرنا الكاتبة أنها كانت مع صديقة تُعد ورشة عمل ما، وفجأة طلبت منها أن تتصنّع وجه بقرة، بعد إلحاح استجابت إلى الطلب، واكتشفت بمعجزة خارقة أنها لا تستطيع الحفاظ على الملامح الغبية لأكثر من خمس ثوان، وتقرر بكل جسارة أن تجعل الفكرة تمرينًا يُمكن تطبيقه للأشخاص الذين يعانون من سرعة الغضب ويعجزون عن ضبط أنفسهم. التمرين بكل بساطة ممارسة لمدة عشر دقائق يوميًا وستلاحظ البقرة أو الشخص أنه يسترخي ويهدأ ويتجاوز فكرة العبوس والتوتر المستمر! يجب أن تُرضي طفلك الداخلي بهذه الممارسة، الطفل الذي يفتقد إلى اللعب العفوي والحركات أو التعابير السخيفة في محاولة مستميتة لجذب الانتباه، لا أعرف من ستجذب من خلال هذه الممارسة لكنها تخبرك بأن نتائجه مضمونة لأعصابك.

أحيانًا يبدو لي أن أصحاب الأطفال الداخليين لم يعيشوا مع الأطفال تحت سقف واحد، تفتنا دهشتهم ولغتهم الملتوية ومحاولات التعبير الأولى، ومحاكاتهم لحركاتنا، ولكن في الطرف المقابل لديهم ميلًا صارخًا إلى أخذ مشاعرهم إلى أقصى مراحلها، ولا يشعرون بالخطر، ويصرّون للحصول على الأشياء بغض النظر عن المكان أو الزمان. الآن لنفترض أن بداخلنا طفلًا بهذه الصفات بريء ويشعر بالدهشة عند أشياء بسيطة، وفي نفس الوقت ملحاح ومزعج ولا يستطيع السيطرة على مشاعره أو رغباته، هل إحضار هذا الكائن إلى السطح سيضمن لنا تجربة حياتية مطمئنة؟

يجيب عن التساؤل فيلم Poor Things إلى حدٍ ما، يستعرض حكاية عالِم مجنون، عالِم يشبه فرنكشتاين، الوحش المكوّن من أجزاء بشرية مختلفة. هذا العالِم يبتكر مخلوقات لا يتخيلها إلّا الأطفال، وأحيانًا نراها كائنات أسطورية على مزهريات أثرية، مثلًا يجرّب رأس كلب على جسد بطّة، وتفتح هذه المحاولات في الخلق أبواب السؤال على عبثية الكائن لو أتيت له هذه الفرصة، لماذا من بدّ الأشياء سيخلق كلبًا بجسد بطّة، ولا داعي لفتح الباب لاحتمالات هذه العبقرية العلمية، المهم هذه التجارب تمّهد الفضاء الذي سيجعلنا نستسيغ وجود بيلا باكستر فيه.

بيلا باكستر امرأة حامل تقرر الانتحار، وغودين -العالِم المجنون- يقرر خلق تحفته البشرية، يضع عقل الجنين في جسد المرأة المنتحرة، ونسير مع هذا الكائن الذي يتلمّس طريقه لفهم هذا العالم. يبدأ وعي هذا الكائن بشكل محدود، ويُرسم بشكل تصاعدي رغباته، ومشاعره، ومخاوفه، وطرق تعبيره، ودهشته الساذجة عند أتفه الأشياء، ورقصه المجنون عند أي لحن! سيتداعى أمام القسوة والمعاناة، وسيشكله المجتمع ويجعله يتضارب بين الأفكار، ويلتبس عليه، ربما، مفهوم السعادة، وأتصوّر تخرج من الفيلم بفكرة عامة عن كون الإنسان البريء صاحب القلب الأبيض والوعي الفارغ تمامًا، كائن بليد سيتم استغلاله، ولا بد من الخبث الاجتماعي الذي سيكون حتمًا طوق النجاة بشكل أو بآخر، ولدينا اليوم الصورة النمطية عن الشخص الطيّب أو “على نياته”.

تكبر عندما تدرك جيدًا أن البراءة يجب أن تدفن مع ذكريات الطفولة، تلك البراءة الساذجة التي لا تليق إلا بالسنوات الأولى، ويبدو لي أن الإلحاح على هذا الطفل الداخلي لا يختلف عن الرغبة في استحضار ذكريات الطفولة اليومية التي من حسن الحظ أن غابت إلى الأبد لأنني أتساءل كيف ستستقيم الحياة لو تذكرت كل ردّات فعل من حولك عندما تتحوّل إلى فوّاحة خايسة! المراحل الأولى مهمة جدًا، ولكن لديها وعيًا محدودًا، ومشاعر متطرفة، ومآلاتها ليست حتمية بعض النظر عن كل الظروف، ولو أحضرناها إلى السطح وبنينا لها منزلًا، ولبينا جميع رغباتها، هل سنشبه بيلا باكستر دون الإدراكات الأخيرة؟ أم سنكون مدللين وحساسين أكثر من اللازم؟ والأهم من كل ذلك هل سنفوّت فرصة طمأنينة مضيفة الطيران الشرق أوروبية، وهي تسأل: “عسى أمورك زينة؟”.


أضف تعليق