ظِلال شجرة الصفصاف


The Storm on the Sea of Galilee – Rembrandt

“إلهي..
أتوسّل إليك..
امنحني فرصة أخرى لبداية حياة جديدة!”
آخر ابتهال ليوسف في فيلم شجرة الصفصاف

كانت لدينا شجرة تتجاوز سور المنزل، وأتذكرها من بداياتها بالجذور الصغيرة، وتفريغ ما تراكم من علب في الإكسنت كل يومين إلى ثلاثة أيام. دخلت الجامعة وذهبت إلى الشرقية، وكنت أراها تكبر في كل مرة عند العودة، وكأنها استعارة عنّي بشكلٍ ما. قررت تسميتها سُعاد -هذه عادة بدأت تذبل مع مضي السنين، تسمية الأشياء بغير أسمائها- حتى أقول بكل سذاجة عند العودة والاقتراب من المنزل، بانت سعاد فقلبي اليوم متبول. كان ثالث شيء تقريبًا أفعله بعد تقبيل أمي، والانقضاض على الطعام الذي أعدته، هو ريّ سُعاد وشمّ رائحتها المنعشة. في إحدى المرات التي عدت فيها بالقرب من نهايات الجامعة، وجدت أنها قُطعت من جذورها، وكم بدا لي السور عاريًا حينها! يكتمل البيت المشطور: “مُتيّمٌ إثرها لم يُجز مكبول”. يظل التساؤل هل شعرت أن قطعة منّي فُقدت للأبد؟ هل أصبحت كبيرًا بما فيه الكفاية لتتقطع هذه الأواصر وأستقبل حياة ما بعد الجامعة بقلب عارٍ؟ والجواب البسيط أنا لستُ سُعاد، لُمتها على تجاوز حدودها، وعطشها اللانهائي للماء الذي جعلها تقتحم عروق/أنابيب المنزل، والخروج من البالوعات ومغاسل المياه، لُمتها بكل بساطة على تمردها ورغبة الجزء المُعتم فيها للخروج إلى الضوء، لُمتها على الرغبة التي تُصيب الإنسان أحيانًا في الجنوح عن الأدوار، وخيالاته في إمكانية تجاوز الزمان والمكان والظروف والأقدار.

من العادات التي بدأت بالذبول أيضًا البحث عن أنواع مختلفة من الموسيقى، توقفت تقريبًا بعد الريغي، قبل سنة ونصف، عند تيكن فاكولي تحديدًا، لماذا؟ لا أعرف أو أعرف ولكن الأسباب لأماكن أو تدوينات أخرى. صوت وأدوات فاكولي من ذلك النوع الذي يحملك من مكانك ويضعك في مكان مغلّف بالرطوبة، يعتليه إضاءة صفراء، ومروحة تصدر طنينًا حفيفًا، وكل ما يسعك هو أن تتمايل هناك، بأعين شبه مطبقة على أنهم تقاسموا العالم وما يزالون… وما لا يمضي دموعًا، يرحل تنهيدًا!

لعبة البعثة الثالثة والثلاثين -Expedition 33-، سمّت الأشياء بغير أسمائها، وقدّمت موسيقى مختلفة تمامًا عن المُعتاد. تحمل اللعبة عنوانًا فرعيًا: Clair Obscur، والمصطلح مشتق من المدرسة الفنية التي تلعب على أطراف الضوء والظل. لو نظرت إلى لوحة العاصفة على بحر الجليل ستعرف من هم الأبطال دون تردد، أولئك الذين يبللهم لُعاب الشمس، أصحاب القلوب الجسورة الذين سينقذون المركب. عندما تتأمل قليلًا ستدرك أنّك لا تستطيع تخيّل أدوار أخرى لهم، لا يوجد سؤال يُمكن أن يكشف أكثر من رغبتهم البطولية في إنقاذ الجميع، ولكن لسبب ما وجدت أن الجزء المُعتم هو الأكثر إثارة للفضول. نرى ستة أشخاص بشكل مُستكين غارقين تمامًا في عوالم أخرى، ثلاثة يتجادلون في أمرٍ ما، وواحد يشاهد الأبطال من بعيد، وآخر بالقرب منهم يعطينا ظهره، وآخرهم يتوسّط الجميع، ويدعو. الآن حاول تخمين دور كل واحدٍ منهم، ستجد -على الأقل- عشرات الاحتمالات لأفكارهم ومشاعرهم في هذه اللحظة، اللحظة التي في ظاهرها الضعف والخوف والتردد، ولكن تفتح أبواب الحكايات، ومن يدري هل هذا يكفي لأن نقول في العتمة تولد الحكايات؟

يطلب الصديق والشاعر السوداني في إحدى قصائده من التاريخ أن يتنازل قليلًا ويزور السوق. نعرف التاريخ اليوم من سرديات المنتصرين/الأبطال، نعرف أبرز إنجازاتهم، وأحلامهم التنبئية، والحكماء من حولهم، وأسماء بلدانهم، وحتّى أسئلتهم الحمقاء. يحفظ التاريخ حكاية لحفيد هارون الرشيد يسأل معلم العربية الذي عيّنه لابنيه: من أحب إليك هما أو الحسن والحسين؟ يجيب المعلم: قنبر -مولى علي بن أبي طالب-، أمر الخليفة الأتراك فداسوا بطنه حتى مات! في التاريخ البشري يُلقى الضوء على الشخصيات الرئيسية، وأتساءل كيف ستتغيّر نظرتنا عن البلدان، لو كانت تؤرّخ فقط من الهامش أو الجزء المعتم لنقل من زاوية الجوّال في الأسواق أو العابر على المواخير أو حتّى حكايات النساء أو الجواري بعد نوم الزعيم أو الخليفة. أدّعي أن هذه العتمة هي التي خلقت أرواح العصور، وحددت معالم المزاج العام للحياة في ذلك الوقت. الآن يبدو لي -بشكل واضح- أن هناك معركتين أو ثلاث ذهب ضحيتها المئات أو الآلاف لأن جارية ما لم تؤد دورها بشكل جيّد.

الأمر ينسحب إلى اللغة والموسيقى، أجمل المقطوعات الموسيقية هي التي توظّف لحظات الصمت بشكل جيّد، وحتّى المشاهد السينمائية في ذروة الأحداث، لا أعرف إن كانت مسألة ذوقيّة أو محاولة فرض هذه الفكرة على الدنيا، أصاب بنوع من التوتّر عند اختفاء الموسيقى تمامًا. أما اللغة فكلنا نعرف جيدًا الأفكار المبتذلة عن الرسائل التي لن تصل، وماذا نفعل بالكلمات الكثيرة التي نريد إيصالها، ولأننا في الشتاء -يناير تحديدًا- فلا حاجة للإسهاب في هذا الأمر، لنسير بحذر مع رولان بارت -حتّى لا نقع في قلب الكليشيه- بأن ذروة اللُغة هو ما لا يُقال، ذروة اللغة هي الجزء غير المحكي/المفقود، ويستعاض عنه بالإيحاء والتلميح والإيماء والرقص وربما الصراخ، وإخفاء المعاني في الحركات والسكنات والاستعارات، والتواطؤ على اللعبة الملتبسة في جعل الظِلال أو ما بين السطور هي كُل ما ينبغي أن يُقال!

الآن لنتخيّل ما الذي يمكن أن يحدث إذا انقلبت الصورة، وأصبح بإمكان العتمة أن تنتهي ويحل محلها الضوء، لحسن حظنا يناقش فيلم شجرة الصفصاف هذه الفكرة. يوسف فقد بصره في سنة الثامنة، واليوم قرابة الأربعين لديه فردوس صغير يتمثّل في منزل ببركة مياه تظللها الأشجار مع زوجة محبوبة ترعاه كمخلوق أليف، وابنة لطيفة في بواكير العمر. كان يتألم لهذه المحنة الشخصية، ونجده يتساءل بعد السقوط الأول:

“إلهي.. حُرمت من جمال الدنيا ولم أشتكِ. عشتُ بدل النور والضياء في الظلمة والعتمة ولم أعترض. وجدتُ السعادة والسكينة في هذه الجنة الصغيرة. أليست كل هذه السنوات من المعاناة كافية، حتى تريد أن تُذيقني مزيدًا منها؟ هل سأعود من هذه الرحلة إلى عائلتي المحبة؟ هل سيقهرني هذا المرض؟ إلى من أشكو ما تفعل بي؟ أتوسل إليك أن تُبدِي مزيدًا من الرحمة. لا تسلب حياتي.”

تحدث المعجزة بعد رحلة علاجية خارجية، ويستعيد يوسف بصره. أول ما يراه نملة تحمل كسرة خبزة في جنح الليل، بعد رفعه ضمادة العين، وجعلته يرتجف فرحًا، يخرج من الغرفة ويحاول الركض في ممرات المستشفى إلى أن يشاهد صورته على الزجاج العاكس، ويبدأ في تلمّس ملامحه. عند العودة يحدث الاختلال الأكبر بين الضوء والظل/العتمة، ومن المطار يبدأ صراع إدراك الجمال والسكينة بين عالم المبصرين إذا افترضنا هنا أنهم يمتلكون شيئًا من قبس الضوء، وعالم المكفوفين الذي يعيشون في العتمة. يوسف كان يعيش كشجرة صفصاف، منحنٍ في سكينة من شرفته الصغيرة، وأصوات الطبيعة، واللمسات العطوفة للعائلة. عندما استقام وأبصر، انكسر تمامًا. يكتشف أن هناك من هي أجمل من زوجته، ومنزله أضيق بكثير مما كان يشعر، ويستوعب في لحظة أنه كان عالة على الآخرين، مثيرًا للشفقة ويحتاج للمساعدة. يقول المخرج: “كان كآدم في الفردوس، وأردتُ أن أستكشف ما الذي سيحدث لسكينته وإحساسه بالسيطرة إذا أُخرج منها!”.

على امتداد الفيلم نراه يتخبط بين المتخيّل والواقع، بين العمى والإبصار، بين الجهل والوعي، بين الظل والضوء، الضوء الذي ندعو ونبكي ونندب حظنا للحصول عليه، والذي لا يتاح لنا في الغالب كي نختبره حتّى نتيقن بأنه أقل بكثير مما نتصوّر، ولن نقنع أبدًا بفكرة البقاء في الظلال، بل نحلم دائمًا أننا سنكون يومًا ما نُريد. وأتساءل الآن عن إلحاح فوائت الحياة والمسارات غير المطروقة! التي تبدو وكأننا في ظلالٍ ما، نرقبها تمضي بعيدًا سواء كانت في متناول اليد أم في المخيلة تمامًا. أشعر بأن وجودها ضروري كفكرة عامة تحرّك أفكارنا ومشاعرنا، وتفتح أسئلة جديدة عن ثنائية الندم والخطأ، وإعادة تقييم مُستمر لحياتنا اليومية، وركونها هناك، يجعلنا نحن الواقعون في الظلال الأقدر على جعلها سحرًا لا يمكن الاقتراب منه، لدواعي الظروف والأسباب وجايز لقمة العيش، ويمكن في الآن نفسه أن نراها جحيمًا تفاديناه، وفي كل الأحوال، الوقوف في الظلال يخلق التأويلات العديدة.

لعبة البعثة الثالثة والثلاثين، تتحرك في هذه الظلال المعتمة من اللوحة، ونرى كل الحكايات الصغيرة ومشاعرها التافهة، وأحلامها الساذجة قصيرة المدى، ورغباتها الملتبسة في التمرد على كُل هذا لخلق عالم أرحب، عالم يُطيل المعاناة ليس إلا، عالم يضاعف الحكايات، عالم يرى النور بديلًا عن كل هذه الظُلمات. في الطرف المقابل، ندرك أن الضوء عبارة عن حُزن عائلة مكلومة، تبحث عن شخص مفقود في لوحة فنية، لكن قررت شخصيات الظِلال/العتمة التمرّد على الرسام، والحلم بحياة أكبر، وتبصر في لحظة معينة أنها وعيها بحقيقة الأمور ليست إلا معاناة أكبر من كل أسئلة الجدوى السابقة، وأن وهم الحياة الناقصة وإن كانت مضطربة أجمل بكثير من اكتشاف عالم بلا معنى يديره رسّام حزين يفتش عن الخلود. تنتهي اللعبة إلى خيارين أحدها حرق هذا العالم الوهمي بكل ما فيه، والآخر القضاء على الرسّام وإكمال الحياة في اللوحة. الحقيقة أنني مِلتُ إلى كفّة العدم على العبث، حرقت العالم بكل شخوصه، وبعد يومين -كالعادة- شعرت بأنني ارتكبت خطأً فادحًا، وتذكرت سُعاد!

يوسف يناجي في نهاية الفيلم: “إلهي.. أتوسّل إليك.. امنحني فرصة أخرى لبداية حياة جديدة!”، لا أعلم تحديدًا ما هو شكل الحياة الجديدة التي يريدها يوسف، ولكن أعرف يقينًا عن رغبته في أنه لم يُبصر يومًا، وأتصوّر أن سُعاد ندمت لاتخاذها قرار الخروج أكثر من اللازم إلى الضوء، وأجد أن رامبرانت وضع المسيح مع الجموع المعتمة في لوحة العاصفة من بحر الجليل، ويُقال أن العاطفة تشتعل أكثر في التخلي والصمت.

أتخيّل أن الظِلال، والجهل، والعتمة هي جوهر هذه الحياة، لا الوعي، ولا المعنى، ولا حتّى الحقيقة. قمرٌ يطلّ على ظلمات الدنيا أجملُ من ألف شمسٍ ساطعة، واحتفاءً بالحكايات الصغيرة، والمشاعر التافهة، والأحلام الساذجة، والرغبات الملتبسة، بل احتفاءً بالحياة، سأُبقي على ما لم يُقال، وسأحفظ أساطير الشعوب وحكايا الغانيات، وسأتمايل في اللحظات الصامتة للأغنيات، وسأوصي من يلعب اللعبة أن يُبقي في نهاياتها على الوهم اللذيذ، وسأُبقي الرغباتِ المُلحّة كما هي في إطاراتها الشعورية فقط، لتتخذ الشكل الذي تريده: سخريةً، وضحكًا، وطاقةً، وألمًا، وندمًا، دون سعيٍ مُضنٍ لتلبيتها. أمّا سُعاد، فسأظلّ أتساءل من أجلها: هل كنتُ أقسى من اللازم!


أضف تعليق