قصة قصيرة
بدأت كمزحة منذ قرابة الستة وثلاثين عامًا، زعلت منه لأمر لا يتذكرانه.
استيقظت صباح ذلك اليوم على صرير الكرسي الذي يسحبه من المنضدة المقابلة للسرير. قتلت فضولها بعدم إبداء أي ردّة فعل لأن كبرياء الامتعاض يجعلها تمتنع عن رفع الغطاء والنظر إليه، وتعرف نفسها جيدًا، لا يمكنها الصمت عند رؤية تصرفاته الخارجة عن المألوف. تشعر به يقترب أكثر من السرير، وتفكر: “الله يستر لا يطمر علي.”.
يجلس على الكرسي، ويبدأ الحديث كخطبة عصماء، لأنه يعرف جيدًا أن الاعتذار ليس بالأمر الهيّن عليه. ينظّر لهشاشة فكرة نوم الأحبة وهم حزانى، وأخذ يشرح بشكل مفصّل أنه يحق للمرء أن يحزن وينام كما يشاء، لأنه لا يوجد شعور ملموس للحزن أو الفرح في النوم، بل العكس يختصر المسافات، ويلغي تضخّم المشاعر، أما الأحلام فلا يوجد أي إثبات أن مشاعر ما قبل النوم تأثث الحلم المنسي.
يُعلن -وهي ما زالت تحت الغطاء تقاوم التجاوب مع هذه المقدمة الطويلة- أن على الأحبة أن يستيقظوا على اعتذارات صباحية، تمهّد بداية اليوم الجديد لاستقباله بمزاج رائق، وبدأ يشعر بأنه اقترب من الانتصار، على الرغم من أنه لم يعتذر، يستعمل الطُعم الذي ستضعف عنده. يذكرها بالشوفة الشرعية، عندما التفت على أبيها، وقال: “ما شاء الله تبارك الله، شكلكم خاطفين حور عين.”، ندّت عنها ضحكة متمنعة، تشبه كثيرًا ضحكة البدايات، وقالت: “صدق يوم قال ما شاء الله عليك خفيف دم.”
ترفع الغطاء، وتتفق معه على أنها أكثر وسيلة رومانسية للاعتذار، وتضيف شرطًا آخر أنه على المُعتذر ألّا يتوقف عن الحديث إلى أن يُبدي الآخر أي شكل من أشكال الرضا، يوافق ويخبرها أنه سيجهز قهوة اليوم كبادرة صلح.
تحولت اللعبة مع مرور الوقت إلى الأداة المثالية التي من خلالها تكتمل الاعترافات والمكاشفات وحتّى الطلبات الحرجة، وأصبح التعبير عن الدلال أو الاعتراض هي الصمت الطويل وتأخير ردة الفعل قدر الإمكان. حاول في إحدى المرات لمدة ساعة كاملة، وكرر النُكت المعهودة، وظلّ يتحدث ويتحدث ويتحدث إلى أن تمكن في نهاية المطاف من سماعها تنتحب. سبق لها أن استيقظت بصداع حاد، ولا طاقة لها على الحديث، حاولت لمدة دقيقة ونصف، وبعدها استعملت السلاح الذي يمكنه إصلاح العالم، شقّت يدها طريقًا تحت الغطاء، لمست موضعًا معيّنًا، وأنسته كل الأحزان.
إحدى تلك الأسابيع البعيدة أثقل عليهم خبر عدم الإنجاب، لأيام متتالية تناوب الاثنان على التعبير عن مشاعرهم، وحاول كلّ منهم تجسير الآخر، ومساءلة الدنيا عن عدالتها، وحجم الخسارة الفادحة بعدم توريث هذه اللعبة بعد رحليهم، ولن يأتي طفل أو طفلة بكرسيها الصغير عند طرف السرير للمطالبة بأكل الحلوى.
بعد ستة وثلاثين عامًا، تمكّن الاثنان من معرفة المدة الزمنية التي يتطلبها الرضا، وفهموا جيدًا مساحات الصمت التي تُغرَق بالسيل السردي، وهكذا كانوا يفصّلون جبر الخواطر ويطرّزونها بينهم.
بالأمس كانوا في حفل زفاف يربط العائلتين من خلال تفرعات الشجرة الكبيرة. أنزلها عند قاعة النساء وحرّص عليها الانتباه للهاتف، وإن لم تتمكن من ذلك، لتكن عند ذات المدخل في الساعة الحادية عشرة والنصف.
يدخل المجلس، ويصافح العشرات. بعضهم مألوف والآخر يدّعي معرفته بعد السؤال عن الأب أو العم أو الجد، ويختتم: “ما شاء الله كبرت، يله شد حيلك.”. يتلقى بصدرٍ رحب مزحات الآخرين عن كونه ما زال شابًا، وأمارات الزواج من الثانية تلوح في الأفق. يرد ضاحكًا أن الإشكالية ليست في الزوجة الثانية، ولكنها الإمكانيات شبه المعدومة في هذا العمر!
يُعلن عن موعد العشاء، ويجتمع على الطاولة، أربعة لا يعرفهم بينهم فتى بالكاد يتحرك حتى لا يختل اتزان الشماغ، ويبدو سعيدًا ببوادر الشنب الظاهرة عليه. تبدأ الأحاديث عن سلّم الرواتب الحكومية، وشائعات الخصخصة القادمة، وأداء كرستيانو رونالدو، وآخر التصريحات عن الحرب، وبعض المؤامرات المكتشفة والأخرى التي تُحاك في الخفاء، ومصدرهم جميعًا المقاطع العشوائية من التيك توك.
يستمع، يضحك، ويشارك، وهو يقطّع اللحم، ويلقيه للفتى. يهدأ نسق الحديث بعد امتلاء المعدة، ويميل أحدهم إلى الآخر، ويقول بصوت خافت سمعه الجميع: “شفت الحَمَر اللي توه مر.. هذا ولد مزنة ما غيرها”.
تقف عند المرآة، تنفخ بعصبية لأنها لم تواجه حارسة لديها هذا التفاني في العمل لسحب هاتفها. حاولت إقناعها بعدم إجادتها للتصوير، وأنها لا تُحبه من الأساس، وحتى مرور أم العريس لم يجعلها تتنازل عن السماح بإدخال هاتفها. تربت على شعرها لتعيد النسق إليه، تسحب الفستان من الأسفل قليلًا، وترفعه بدرجة أقل من الأعلى، تتأكد من موضع الساعة، والأساور بترتيبها الصحيح.
تدخل القاعة، وتدور بين الطاولات إلى أن تجد الوجوه المألوفة، تجلس معهم على الطاولة، تُعرض آخر الزيجات والانفصالات، تفصل الأحاديث بالرقص، وتُعاد غيرها تمّهد للأولى، وتضع الثانية في مسارها الطبيعي للأشياء، ويرقصون، ويعلّق بشكل لائق أو فج عن التنظيم والكوشه.
حاولت عدم الانجراف وراء احتمالات الفتاة التي كانت ستعيش معها تحت سقف واحدٍ أو منفصل، ولكن تعرف أنها ستحبها وتكرهها، وتدافع عنها وتعتدي عليها، وتتصالح مع كل هذه المشاعر الملتبسة، لأنها في نهاية المطاف هي خاطفة الابن، وحمّالة الحفيد، كل هذا مجرّد احتمال لو كانت ظروف الدنيا مختلفة.
وقع بصرها على فتاة تراها للمرة الأولى، وتسأل إحداهن عنها، تجيب وهي تضحك: “هذي بنت مزنة.”، تعوذت من الشيطان.
بحلول الساعة الحادية عشرة كان يقف بالقرب من مدخل النساء، تأتي السيارات وترحل وهو ينتظر، يرن هاتفه وبعد دقائق تخرج إليه. في اللحظة التي صعدت فيها إلى السيارة، قال -كما جرت العادة-: “لا يكون حسبوك العروسة!”، وتضحك كما لو أنها أول مرة تسمعها.
يسأل عن العشاء والترتيبات، وتسأل عن الحضور والأحاديث. يكمل الاثنان رصد الحضور، وخلق الأعذار أو الأسباب لتغيّب الآخرين. تُرفع الكلفة في أحاديث العودة من الأفراح إلى المنزل، وكأنه اتفاق ضمني لإرضاء أي فضول ممكن، توجد بالطبع حدود لا يعرفها، وتتغيّر بناء على مزاجها. في فلتة لسان، لم يتريّث لصياغة سؤاله بطريقة أنسب، قال: “مزنة للحين الشامة مغطية نص وجهها!”، ظلّت صامتة ولم تعلّق عليه.
في اللحظة التي نطق فيها العبارة أدرك يقينًا أنه وقع في مستنقع يصعب تجاوزه. حاول أن يبرر بأن المصادفات الكثيرة ذكرته بها، ابتكر وجود رجل خامس لديه شامة كبيرة على الطاولة، وسمع أحدهم يُنادَى أبو مزنة، ولم يمتنع عن ذكر حكاية “الحَمَر”، والمرأة ما زالت صامتة، وظلّ يحاول إلى أن فقد الأمل في لعبة العروسة الخجول هذه الليلة.
قبل النوم أخبرته، وكأنها تحدّث نفسها: “نشوف الصبح وش بيطلع معك!”، لتجعله يشعر بتأنيب الضمير ومن يدري ربما يسهر إلى أطراف الفجر ليُحيك سردية اعتذار طويلة، لم تمضِ سوى خمس دقائق، ليُسمعها آخر أمر توقعته، سيمفونية شخيره المعتادة.
في الصباح، يستيقظ ويغتسل، يطل عليها ويجدها ملتحفة بالكامل، يتذكر مزنة، وقبل أن يسحب الكرسي، يقرر كخطوة استباقية وضع القهوة على النار إلى حين عودة المياه إلى مجاريها.
يجلس عند طرف السرير، وتأكّدَ هذه المرة أن الصرير أعلى من المعتاد. بدأ أحاديثه كبداية العديد من المقدمات السابقة، عن عدم وجود أي إنسانة تشبهها على الأرض، والخصال التي يُحبها فيها، وأضاف أن الشامة عيب خُلقي، لم تحرّك ساكنًا.
يكمل أنه سؤاله في الليلة السابقة تافه، بلا معنى، ودون أيّ نوايا معيّنة، وأنها من باب الأحاديث التي تجرّ بعضها البعض، يأتي بالشواهد والأمثلة القديمة، ويلمس ظهرها على استحياء ويعيد يده، لم تحرّك ساكنًا.
يكمل أنها فلتات اللسان من عادته التي تجاوز الزمن على إصلاحها، ويعدد فلتاته السابقة التي أحرجته في مواقف مختلفة، ويذكر خفّة دمه الأولى، وأنه يسمع صوت القهوة التي شارفت على الانتهاء، لم تحرّك ساكنًا.
بدأ ينفعل، ويصرّح مجددًا بأن سؤاله لا يستحق كل هذا الانزعاج، اختارها هيَ من بين الجميع، وعاش معها كل الليالي بمختلف ألوانها، وهو لم يخطئ، ومعروف أن الفضول يلدغ أحيانًا، ولا يليق بخمسينية تتصرف كالمراهقين، ولطالما كانت متطلبة لهذا النوع من الرعاية، لم تحرّك ساكنًا.
يطلب بهدوء أن تتحدث معه بشكل مباشر، وأنهم أصبحوا كبارًا بما فيه الكفاية لتجاوز هذه الألعاب الصبيانية، يطلب ولو كلمة واحدة. ينزل رأسه بين يديه، يصمت طويلًا، تبخّرت القهوة بالكامل، وفي اللحظة التي تنهّد فيها: “لو كانت مزنة…”، سقط مغشيًا عليه.