قصة قصيرة
كان مالك العمارة الجديد يذكُر الله كلما حلّ وارتحل، يسمّي بالله وهو يدخل العمارة، يحوقل قبل الوصول إلى المصعد، ومن داخل المصعد يستعيذ من ضيق القبر، وقبل فتح باب الشقة في الطابق الثاني يستغفر، ويعيد الأذكار بطريقة عكسية عند الخروج.
استلم العمارة من المالك السابق الذي حرّص عليه للعناية بها، فأخبره أنه سيسكن فيها وما لا يرضاه لنفسه، لن يرضاه على القاطنين. لم يحرّص المالك السابق كثيرًا على أن يخاف الله فيهم. المغتربون من مدن أخرى إلى هذه المدينة، الوحيدون المؤمنون أن عجلة التنمية تستحق هذا العناء، لم يضطّر لتذكيره بمعاملتهم كأبنائه وبناته، لأن وجهه السمح، ولحيته المخضبة بالحناء، والتي يفوح منها المسك الأبيض كانت كفيلة بأن تطمئن المالك السابق.
كان يعرف أن الأعين تزني، ولذلك كان يغضّ الطّرف دائمًا، ولكن بطريقةٍ ما تمكّن من معرفة لون عباءة كل شقة في البناية.
بعد مضي شهر تقريبًا بدأ يلاحظ أصوات الأبواب تُفتح وتُغلق في أوقات متأخرة من الليل، وأصداء أصوات خافتة تصل إليه. في الأيام القليلة التالية قرر النظر من فوهة الباب لرؤية الشقتين المقابلتين له، رقم خمسة وستة، الوسيم والمستعجل دائمًا، المستعجل الذي يرد السلام على استحياء في كل مرّة. شعر أن هناك نمطًا يتكرر خلال الأسبوع. الثلاثاء العباءة البيضاء إلى خمسة، والخضراء إلى ستة. الخميس يعودون إلى الشقة بعد منتصف الليل على أعتاب الفجر، والجمعة الألوان كلها إلى ستة مع أصحاب الشقق الأخرى.
لم يحتمل هذا العبث، وأراد التيقن من أن شكوكه في محلها. اشترى كاميرات صغيرة تعلّق بالسقف تعطي نظرة بانورامية على الممر، واتفق مع عامل السباكة على تركيبها في الطابق الأرضي والأول والثاني صباح الجمعة، ومنحه أضعاف أجره المعتاد.
بعد شهرين، تيقّن من وجود نمط واضح لهذه الزيارات، نمط مرسوم بالقلم والمسطرة لكل أصحاب الشقق الستة في هذه العمارة، الانسجام بين الألوان والأرقام: ثلاثة ألوان، ثلاثة أرقام. اشتاط غضبًا لأن الجميع يعيشون في الخطيئة، ومستمتعين بهذا الاختلاط كحيوانات في البريّة.
وكي يضع حدًا لهذه الفضيحة التي ستهدّ العمارة على رأسه بلا شك، طبع صور نمط يوم الخميس، كل لون مع كل رقم، وأحضر اثنين من الثِقات، والصديق القديم المأذون الشرعي، مرّ على كل شقة، ووضعهم أمام الأمر الواقع، إما زواج المسيار والالتزام، وإما الفضيحة على الملأ: “توكل على الله وقّع الحين، واستر على نفسك، ولا هالصور راح تنتشر في كل مكان، والله يدبّر الصالح”.
بحلول فجر يوم الجمعة، أصبحت الشقق جميعها أزواجًا!
يوم السبت، قال الرقم واحد للرقم ستة:
– هل قالت لك الكلمة السريّة؟
وهو يضحك، ثبّت ستة يديه على المفتاح، ولكمه على وجهه، فصرعه في محله.
يوم الاثنين، قال الزرقاء للخضراء:
– أشتاق لرائحته.
حملت إبريق الشاي الساخن، وسكبته عليها.
يوم الثلاثاء، قالت البيضاء للرقم خمسة:
– من أنت حتّى تطلب مني الطاعة.
لم يتمكن من تجاوز هذا التمرد، ألقى على رأسها المزهرية فسقطت أرضًا.
يوم الأربعاء، فكّر صاحب العمارة أنه استعجل في امتلاك هذا الأصل، وأن الأوزار أكثر من اللازم.
يوم الخميس، عرضها للبيع بعد رحيل كل أصحابها.