مؤامرة مُحكمة


قصة قصيرة

عندما استيقظ من سباته، لم يدرك أنه مضى أسبوع على رحيله!

شقّ طريقه كيرقةٍ تصارع من أجل الحياة، نفض الغبار عنه، ولفّ الكفن حول خاصرته، سار باتجاه أسوار المقبرة لتجاوزها، ووقف على قارعة الطريق. لوّح بيده اليمنى، والأخرى ثبّت بها بقايا القطعة القماشية. سئم الانتظار، ترصّد للدراجة النارية القادمة، قفز عليها، وطرح صاحبها أرضًا، ومضى إلى منزله مسرعًا، وهو يفكر بأن هناك خطأ فادحًا سيدفع ثمنه الجميع.

فُجعت الأسرة برحيله، دخلت عليه الأم، وصرخت للدرجة التي طيّرت نصف الحمَام عن البناية، والنصف الآخر أصابه عسر بالهضم. ركض الابن الأصغر، وهو يحمل العصا دفاعًا عن أمه، لكنه وجدها تتمرغ على الأرض، تسقط العصا من يده، يضمها وهو يحاول لملمة شتاتها، ويصارع دموعه التي لم يتصوّر يومًا أن تنهمر على الرجل المسجّى فوق السرير، الرجل الذي تعلو محياه ابتسامة رضا لم يعرفوها في حياته.

كان من الآباء التقليديين الذين حولتهم ظروف الحياة إلى مستبد عتّيد، ولا ينفك يخبرهم أن حياته كان يمكن لها أن تكون أفضل لو أحسنت أمه رحمها الله الاختيار، وفي ليلة وضحاها يعلن أنه ما زال في العمر متّسع، والروح الحيّة لا ينبغي لها أن تلتزم بالواجب أو تنصاع لما يليق. بدأ بصبغ شعره، ومن ثم الحصول على دراجة نارية، ولاحقًا حَلم بالثراء السريع من خلال الاستثمارات الجريئة التي قضت على مدخرات حياته، وتجرأت على ذهب زوجته في مراحل متأخرة.

أصبح في أيامه الأخيرة نَزِقًا لا يُطاق، لا يلمع منه سوى شعره الأسود. تخلّى عنه المعارف بعد أن اعتاد على طلب مبالغ مالية صغيرة، تراكمت مع مرور الوقت، مبالغ صغيرة متفرقة يخجل معظم الرجال في المطالبة بها، أفرط في الأمر إلى أن أصبح يتحاشاه الجميع.

يكبر الابن الأول وينتقل إلى مدينة أخرى للعمل، ويصرف على أمه بالخفاء، وتتزوج الابنة بعد أن أحكمت الخطة مع أمها أن ذلك الصديق هو طوق نجاتها، وكان جادًا لطرقه الباب بدلًا من النافذة، والابن الأصغر الذي ينام على أصوات مرتفعة، ويستيقظ على أخرى، تتراوح أحلامه بين القضاء على الأب والهرب من المنزل متى ما أنهى دراسة الثانوية.

اجتمعت الأسرة بأكملها بعد مراسم الدفن، تخبرهم الأم أنها لن تنسى ابتسامته، وكأنّه ارتاح أخيرًا أو بُشّر بشيءٍ ما. تغالب انهيارها وأنها ربما كانت قاسية أكثر، كانت تعددت طلباته التي باتت تافهة تمامًا، الشاي في وقته، وتشغيل المكيف في الغرفة قبل النوم بنصف ساعة، وغسيل ملابسه وتعليقها قبل جولته الصباحية بالدراجة النارية، وإعداد الغداء مع إغراقه بالملح. تسائلت مع أبنائها ما الذي يُضير في تلبية هذه الطلبات، وتسألهم هل أخطأت عندما فتحت حسابًا بنكيًا، ولم تخبره أبدًا!

يهوّن الابن الأكبر عليها بأنه كان أكثرهم تقصيرًا، لن ينسى أيام الطفولة عندما كان يمنحه ريالين للتصدّق على ذلك المسكين على باب المسجد، المسكين الذي قاوم جميع فصول السنة، وتذكّر أنه شكّ في أمره يومًا، ونهره والده، وأخبره عن تقديم حسن الظن بالآخرين. اعترف أنه امتعض من مكالماته العشوائية التي تطلب منه المال، ويسأل من يدري ربما كانت تلك طريقته في الإطمئنان عليه.

ظلّت الابنة صامتة، ولكن اتجهت إليها الأنظار، وكأنها مطالبة للمشاركة في كرنفال المحاسن المنسيّة. تلمّست بطنها، وقالت سأشتري لها الحلوى والألعاب العشوائية من وقت إلى آخر، ولن تمنعني ظروف الدنيا عن ذلك، هو أخبرني بهذا الوعد، وأنا من سيفي به.

لم يتمنع الابن الأصغر عن كشف سرّه الذي يعرفه الجميع، حكى أنه داهمه الشهر الماضي عندما كان يدخن في السطح، وبدلًا من القسوة المعتادة، طلب منه واحدة، ولم يتحدث مطلقًا، وفي نزوله أخبره بأن عليه الانتباه على نفسه، وكأن شيئًا لم يكن.

وهو يسير الآن على الدراجة المسروقة تجاه المنزل، تذكر بالأمس أنه حاول الاتصال بابنه المنشغل على الدوام الذي لا يعرف أي بلاء ابتلي به ليرزق بهذا الابن العاق، والابنة التي تتهرب منه، وتعد بزيارتهم في أقرب فرصة بعد أن تحججت بحملها أكثر من مرة، مع أنه أخبرها ليست الأولى التي تحمل ولا الأخيرة، وذلك الصغير الضال الذي عُقد لسانه وبردت أطرافه عندما وجده يدخن على السطح لأنه رسم تصورات أكثر تطرفًا لما يمكن أن يراه في سطح المنزل، وأقسم أن يعيد تربيته مجددًا، وتلك العجوز التي لا تكف عن الصراخ عند أدنى بادرة.

الهواء يبدد غضبه المحتد، ومسافة الطريق طويلة، بدأ يتسرب إلى ذهنه مجددًا تساؤل من كان السبب في هذا الخطأ، ولماذا تخلّت عنه الأسرة أو لماذا لم تنتبه له جيدًا، كل ما يتذكره أنه دخل غرفة النوم، ووجد النوافذ مفتوحة، وقالت أنها تحتاج إلى التهوية، يفكّر لطالما كانت كذلك، أجوبة جاهزة عند تجاهل أوامره، يشك في أنهم دبروا له مكيدة للتخلّص منه.

يصل إلى المنزل يجد سيارات الأبناء مجتمعة، تيقن الآن أنها مؤامرة مُحكمة للتخلص منه، يلعنهم جميعًا، ويكمل المسيرة هربًا منهم، على دراجة نارية مسروقة، وقطعة قماش بالكاد تستره.


أضف تعليق